|
أن يقول الآخرون ما شاؤوا فهذا شأنهم، لهم أن يقولوا ما شاؤوا، أما أن نقول نحن ما شاؤوا فهذا شأننا، فإن كانوا كما نشاء لقلنا كما شاؤوا، وإن كانوا غير ذلك فلا مشيئة لنا في قول ما شاؤوا، بل لزامٌ علينا أن نقول ما نشاء، كما نشاء، متى نشاء. وما نشاؤه اليوم من إعلامنا العربي الهادر، المرفوع اسماً لـ"واوا" وأخواتها، والمنصوب خبراً لـ"ذلَّ" وبناتها، ما نشاؤه اليوم هو فقط أن يعرف ما نشاء أن نرى ونسمع، وكيف نشاء أن نرى ونسمع... لا لا... لن أحلم هنا بأي شطط ٍ أخلاقي فأعارض كل هذا السيل الجارف من قنوات الفن "الصاعد"، فالفن حضارةٌ وثقافةٌ لا يعي قيمتها أمثالي من الظلاميين المتخلفين، لا أبداً حاشا لله وكلا... غاية ما أحلم به هو مراجعةٌ بسيطةٌ لبعض المصطلحات التي نسمعها كل يوم ٍ وكل ساعة، فتمر بنا مرور الكرام وبينها وبين الكرامة ما بين السماء والأرض! أفما آن لنا أن نتعلم بعد؟! "مصرع جنديين وخطف ثالث بهجوم على موقع إسرائيلي" "تضارب الأنباء بشأن هوية خاطفي الجندي الإسرائيلي" "إسرائيل تعتقل وزراء ونوابا بالضفة وتواصل قصف غزة" "الاحتلال يعتقل وزراء ونوابا بالضفة ويوسع اجتياح غزة" نسمع هذا كل يوم ولا نلق له بالاً، خصوصاً "تعتقل" و "يعتقل" هاتين، إذ لطالما "اعتقل" اليهود من الفلسطينيين كبارهم وصغارهم، رجالهم ونسائهم، شيبهم وشبابهم، نعم ولكن، هل يصح أن نقول "اعتقلوا"؟! لن أبني هنا على تعاريفنا وتخاريفنا نحن، فنحن متطرفون وإرهابيون ومتخلفون ولا يحق لنا التدخل في تعريفات العالم المتحضر (بل فقط الانصياع لها!)، لذلك سأعتمد على تعريفاتهم هم. وفي تعريفاتهم القانونية فإن "اعتقل" تعني: - تجريد شخص من حريته بموجب سلطة قانونية (قضاء ولاية فيرجينيا) - الحجز بموجب سلطة قانونية (قضاء ديلاوير) - قيام الشرطة بحجز شخص لاشتباه ٍ محتمل مع أو بدون مذكرة قضائية (نظام نيويورك القضائي الموحد) - توقيف شخص واحتجازه بموجب سلطة قانونية (نظام تينيسي الجنائي) - ... إلخ أسمعتم جيداً؟ جميع التعاريف أعلاه -وهي غيض من فيض- تشترط سلطة القانون! حسناً، فأي قانون ٍ هذا الذي يعطي اليهود سلطة ً على الفلسطينيين في الضفة والقطاع؟ لا يوجد... ولا حتى في شرعة أممهم المتحدة التي تعتبر دويلة اليهود ابنتها المدللة! فماذا نقول إذاً بدلاً من "اعتقلوا"؟ يقودنا هذا إلى المصطلح الآخر: "خطف". مرة ً أخرى، الخطف -حسب تعريفاتهم- هو: - الأخذ إكراهاً إلى مكان مجهول، عادة ً لطلب فدية. (معجم مصطلحات جامعة برينستون) - الخطف في القانون الجنائي هو أخذ شخص ٍ خلافاً لإرادته، عادة ً لاحتجازه في حبس ٍ زائف (التوقيف بدون سلطة قانونية) وذلك لطلب فدية أو كجزء من جناية أخرى (موسوعة ويكيبيديا) جميل... تبدو هذه التعريفات أقرب إلى ذلك الفعل من مصطلح "اعتقل"، إذ أنه لا يحتاج إلى "سلطة قانونية" بل هو غالباً فعلٌ تقوم به جهة خارجة عن القانون - مهلاً... هل قلنا خارجة عن القانون؟ وهل ينازع الكيان اليهودي في هذا اللقب أحد؟! الأصح إذاً أن نقول في أخبارنا: "إسرائيل تخطف..." و "الاحتلال يخطف..." ولكن تواجهنا هنا إشكالية ٌ أخرى، فالخطف غالباً ما يستهدف المدنيين العزّل، فماذا عن العسكر والمسلحين؟ يواجهنا هنا مصطلحٌ آخر هو "الأسر"، والأسير مصطلح عربي يقابله في تعريفاتهم ما يترجم إلى "سجين حرب"، ويعني لديهم: - جندي، بحار، طيار، أو من مشاة البحرية، يُسجن من قبل قوة معادية أثناء أو مباشرة ً عقب صراع مسلح. (موسوعة ويكيبيديا) - شخص ينتمي إلى أي ٍ من ثماني فئات حددت في المادة الرابعة من اتفاقية جنيف المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب - جميع تلك الفئات الثمانية تتحدث عن أشخاص مسلحين أو مرافقين لهم. اتضحت الصورة إذاً: اليهود "يخطفون" حين يأخذون المدنيين من بيوتهم، بينما "يأسرون" حين يأخذون المسلحين، فهل لنا بتصويب ٍ كهذا يضع النقاط على الحروف؟! ولكن في المقابل، هل يصح إذاً أن يقال عن ذلك العسكري اليهودي إنه "مخطوف"؟ لا طبعاً، بل هو -وحسب تعريفاتهم- أسير، والمقاتلون الفلسطينيون "أسروا" جندياً يهودياً ولم "يخطفوه"... هكذا أيضاً يصبح الأمر أكثر دقة. النتيجة إذاً باختصار: الفلسطينيون "يأسرون" اليهود "يخطفون"
ولكن ما المهم في كل هذا؟! المهم أيها الإعلام في غاية الأهمية: أولاً: الأسر فعل ٌ شائع ٌ في الحروب، لا يعاقب عليه القانون الدولي، بل يشرع له حقوقاً للأسير يطلب من الدول مراعاتها. ثانياً: الخطف جناية ٌ تعاقب عليها جميع القوانين. ثالثاً: وصف أعمال "الخطف" التي يقوم بها اليهود بأنها "اعتقال" هو تقنين ٌ مجاني لتسلّط اليهود على الفلسطينيين. رابعاً: وصف فصائل المقاومة الفلسطينية بالـ"خاطفين" ووصف أسرهم لذلك الغر بأنه "خطف" تجريم ٌ قميءٌ لأعمال المقاومة في زمن الحرب.
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!
|