|
حين يصفعنا الموت، لا نذكر سوى لحظات ٍ من حياة، أوليست هذه من بقية عجائبه؟! صفعة ٌ أخرى عادتنا اليوم في ثاني أيام فطرنا هنا، وأول أيام فطرنا هناك، لتعود فتعرض لي بعض ما استوحل عليه غبار الزمن... مواقف من طفولة ٍ وأخرى من مراهقة ٍ وغيرها من شباب، أذكرها اليوم إذ أذكر "أبا وليد" رحمه الله وطيب ثراه. أذكر عمتي "أم وليد"، حين دخلت غرفة عمليتها الأخيرة، ممددة ً على السرير المتحرك، ترفع يدها لي ملوحة ً بالوداع! تلك التلويحة ذاتها، أو تشبهها كثيراً، ودعني بها صديقي "إياد"، حين كنا في السادسة عشرة أو أقل، قبيل أن أتلقى أول صدمة ٍ قاسية ٍ في حياتي برحيله المبكر! رفع "إياد" يده ملوحاً لي بصمت وهو يغادر إلى بيته مليئاً بنشاط وحيوية الشباب، ورفعت عمتي بعده بسنوات طوال، رفعت يدها ملوحة ً لي بصمت وهي تغادر إلى غرفة العمليات، ولم يعد أي ٌ منهما! أذكر ذلك اليوم الذي اقتنع فيه "أبو وليد" بما اقترحته عليه "أم وليد"، بأن يلبي رغبة "جهاد" ولدهما المدلل، وصديقي الذي نشأت وترعرت معه ومع أخي "فؤاد" في ثلاثي ٍ لم يكن يفترق إلا ليلتقي... اقتنع يومها "أبو وليد" بأن يشتري لجهاد - ومن والاه وحرضه - جهاز كمبيوتر، فيما كان في تلك الأيام في دمشق أمراً أشبه بالشطط وتبذير الأموال فيما لا يضر ولا ينفع! كان لذلك اليوم تأثير ٌ مفصلي ٌ في حياتي أكثر مما كان له أثر في حياة جهاد نفسه، إذ احترف جهاد وفؤاد الطب كلاهما، أما أنا فبقيت رهين ذلك اليوم حتى الساعة - احترفته! أذكر اليوم أنني بعيد عن بيتي، بعيد عن أهلي، بعيد عن ذكرياتي، كما هو جهاد، وكما هو فؤاد. أذكر بأنه أصبح جزءاً من قدرنا أن نتلقى أخبار من ولد ومن تزوج ومن رحل، برسائل نصية قصيرة، تتلقفها شاشة ٌ صغيرة، تخلو كلاهما من أي طعم أو لون أو رائحة، فما بال العواطف قد تصلبت إلى هذا الحد؟! أصبح جزءاً من قدرنا أن نفرح ونحمد الله على نعمائه، بأن "جهاد" كان في دمشق - صدفة ً - في زيارة العيد، حين رحل والده! أصبح جزءاً من قدرنا أن نبتهج ونحمد الله، لأن الراحل تمكن - بالصدفة - من توديع أحفاده، أولئك الذين أصبح جزءاً من قدرهم أن يزوروا جدهم مرة كل سنة، أو مرتين، أو سنتين، وكنا نزور حـِجر جدنا صغاراً مرة كل يوم، مرتين، أو يومين! غادر جهاد إلى ألمانيا، تبعه فؤاد إليها، ثم بقية العصبة: زياد إلى أمريكا، تبعه أخوه هيثم إليها، ثم فادي، الذي خرج عن كل مألوف إلى إندونيسيا، وبقيت هناك في دمشق وحدي، أصارع غربتي في وطني، أغالبها وتغالبني كيما أبقى هناك في أحضان حبيبتي، أنهل من قاسيونها شممه، ومن شمامها حلاوته، ومن حلاها طلاوته... أغالب غربتي في وطني حتى غلبتني، وأصابني من قدري ما أصاب غيري، فخرجت! وأقاموا وزارة ً ترعى شؤون المغتربين؟! وهل تغيـِّر ُ وزارة ٌ ما قضاه القدر؟! كان أولى بهم أن يقيموا وزارة ً ترعى شؤون المواطنين، المقيمين، المرابطين، كيلا تدفعهم أقدارهم للتحول إلى مغتربين! أذكر اليوم أنني تصالحت مع الموت منذ أمد ٍ غير بعيد، حتى لم أعد أخافه، وأعتبر هذا وبكل تواضع وأمل بالله، أعتبره من أرقى مراحل الإيمان! فحين نتمكن من رؤية الدنيا على حقيقتها وحجمها في كل قول وفعل، مهما صغر أو كبر، وحين تصبح حياتنا معلقة ً بالآخرة في كل قول وفعل، مهما صغر أو كبر، عندها فقط ننعم بالنصر، النصر على الموت مهما بلغت ذنوبنا، حتى تصبح مواجهته مجرد فصل ٍ آخر من فصول الحياة! رحم الله "أبا وليد"، ورحم "أم وليد"، وعافى "وليد" وصبـّره، وصبـّر "جهاد" وأسرته، وشقيقتهما وأسرتها، وكل من أصابه من رحيلهم حزن! ورحم الله "إياد"، صديقي الذي علمني أول الدروس في التعايش مع الموت! وكل عام ومن يقرؤني بخير.
|