|
وها قد مر يوم الجمعة بسلام.
كان القلق يسيطر علي طوال صلاة جمعة اليوم وأنا أتحاشى أن يحدث ما حدث في الجمعة الماضية، ورغم أن جميع العوامل والظروف والمؤشرات الحيوية لم تكن تشير إلى أي احتمال لذلك غير أن هذا لم يعد يعني لي الكثير، فقد كان الحال ذاته في الجمعة الفائتة يوم حصل ما حصل، ورغم ذلك فقد حصل ما حصل!
وحين حصل في الجمعة الماضية ما حصل، بدا لي وكأنه فضيحة ٌ ذات "ريحة"، كيف لا وقد حصل في المركز الجيوفيزيائي المغناطيسي المطلق لمسجد الحي الذي ترعرعت فيه وعشت عمري حتى بات يعرفني هناك كل صاد ٍ في الطريق وغاد، كيف لا وقد حصل في ختام صلاة الجمعة حيث يفرغ الناس لما يشغل فراغهم، وكيف لا وقد كانت جمعة ثالث أيام عيد الأضحى المبارك ولا يلبث أحد ٌ إلا أن يرى أحداً لم يره ربما منذ حول ٍ من الزمان أو يزيد، ليخبره عما حصل وأين حصل وكيف ومن وماذا وعن.. حصل؟!
وبرغم ذلك كله، فقد كان قلقي اليوم من تكرار ما حصل يجعله وكأنه ما حصل، فالفضيحة اليوم -إن حصل ما كان قد حصل- كانت ستجعل مما كان قد حصل مجرد "كيدز ميل"! كيف لا وصلاتي اليوم يبثها تلفزيون دبي على الهواء لمئات ٍ من الملايين يعرفني منهم من يعرفني ويعرفني -إن حصل- من لم يكن يوماً ليعرفني؟ وبالحديث عن تلفزيون دبي ومن يعرفني ولا يعرفني، فقد كان من تبعات ما حصل في دمشق الجمعة الفائتة أن بادر ابن عمة ٍ لزوج شقيقتي بسؤاله عني فيمن بادروا للسؤال عني قائلاً: "أعرف هذا الشخص.. أراه في تلفزيون دبي!"، وهو بذلك لا يقصد بالطبع برنامج "تاراتاتا" ولا "شاعر المليون" ولا حتى "رأس غليص"، إنما يقصد -ولا شك- دور الكومبارس الذي ألعبه أسبوعياً في مسلسل صلاة الجمعة المكسيكي والذي لا أكاد أنقطع عنه كيما تقر عين أمي بي، إذ تـُجري فحوصاتها التيلي سريرية الأسبوعية على صورتي الحية لتتأكد من لون وجهي وانتفاخ وجنتي وتعلم بأنني ما زلت مواظباً على الطعام والشراب ولم أمت بعد من الجوع! هكذا هي الأم فلا تحاول أن تناقش... أد ِّ لها ما تشاء متى تشاء وكيف تشاء، ولن تجد في المقابل في دنياك -وهذه شواربي- سوى أحسن ما تشاء.
ما زالت أمي -بالمناسبة- تتابعني باتصالاتها لتطمئن على صحتي بعد أن غادرت دمشق في اليوم التالي، حتى لازمني شعور "الكغـِّيه" طيلة الأسبوع المنصرم، ولمن لا يعرف ما هو شعور "الكغيه" هذا أقول باختصار: العوض بسلامتك... ما رح أعرف أشرحلك ياه!!!
كانت أزمة ً عابرة ً -كما ظننت- تلك التي أتعبتني مساء الخميس المنصرم وألزمتني البيت فحرمتني من الخروج في مطر ذلك اليوم الدمشقي الفريد، ثاني أيام عيد الأضحى المبارك الذي قصدت فيه أهلي لأعيش وأسرتي عيداً مختلفاً عن ذاك الأخير. حرمتني تلك العابرة يومها من الخروج كما اقترحت شقيقتي لتناول صحن كنافة ساخن داخل سيارة ٍ دافئة تحت مطر ٍ شاعري ٍ في تلك الليلة الباردة، والوصف هذا لا يعبر عن حقيقة ما أصف ولا يفيه من حقه من شيء، وليس في الدنيا ما يمكن أن يجعلك تحس بما أصف سوى أن تعيشه جسداً وروحاً، وكنافة ً دمشقية ً أصيلة! كانت عابرة ً كما بدا لي صبيحة اليوم التالي، ولكن ظني لم يكن -كما يبدو- عند حسن ظني به.
 مشفى الأسدي
"لبن وملح؟ أخطؤوا بالطبع، كان عليهم أن يعطوك بعض السكر!"... كان هذا رأي الممرض في المشفى الذي نقلت إليه جالساً في المقعد الأمامي لسيارة الإسعاف التي خرجتُ من المسجد لأجدها بانتظاري، بعد أن وجد بأول ثقب ٍ ثـُقبته ذاك اليوم بأنني كنت ضحية هبوط في السكر، وهذا بالطبع حال الفقراء من أمثالي - لا تصيبهم انخفاضات الأسهم بشيء ولا انخفاضات أسعار العقارات أو العملات أو الذهب والمجوهرات، ولا حتى انخفاضات أسعار السكر نفسه ولا تعنيهم بشيء، وإنما تنحصر معاناتهم بانخفاض السكر في الدم وارتباط الدخل بالهم... المهم، ثقبتني الممرضة زميلة الممرض ذات الطلة البهية والوجه الصبوح ثقبي الثاني لتدخل فيه إبرة المحلول السكري الذي ارتأى زميلها أن يحقنني به ليعيد لدمي حلاوته وللساني طلاوته، وليت ذلك المحلول يباع بعلب "شامبو" لكنت أهديت ذات الوجه الصبوح منه برميلاً عسى أن يكون له في تأنيث "رقتها" بعض أثر!
وبالطبع فقد كان لزاماً على الممرض "الفهمان" أن يثبت براعته وسؤدد نظرته الطبية وتفوقها على رأي ذلك الطبيب الذي ترأس "كونشرتو" الأطباء الذين كانوا حاضرين لصلاتي ومن ثم لتشخيص حالتي، فما كان منه سوى أن "بخشني" بثقب ٍ ثالث ٍ تأكد من خلاله من نجاعة تأثير المحلول في دمائي الآسنة. أما الممرضة ذات اللمسات الملائكية فلم تتمالك جموح أنوثتها الفياضة أمام ثورة الحلا التي اجتاحتني إذ ذاك فبدأت بتعرية صدري زراً بعد زر، غير أن حرارة الغرام التي كانت متوهجة ً هناك في انتظار من يطفئها لم تجد لذلك سوى موجة من الصقيع جعلتني أصتك وتصتك معي عظيمات صدري العاري بينما كانت "ملاك الرحمة" تحاول فك جدائل جهاز تخطيط القلب التي تشابكت مع بعضها بفوضى عارمة ٍ لم تأل جهداً في شتيمة زملائها في النوبة السابقة عليها، ولم تنجح في ذلك إلا والصقيع قد اجتاحني من أخمص رأسي لقمة قدمي! نعم أعلم أن العكس هو الصواب ولكن ارتجاف أعضائي حينها كان كفيلاً بأكثر من ذلك صدقني، ولست أدري كيف كانت نتيجة التخطيط سليمة ولا أظنها كانت كذلك إلا لأن رجفتي الصقيعية ربما تكون قد عدلت ارتجاف قلبي فكانت المحصلة سكوناً خادعا.
لو كنت مصنوعاً من الزجاج لكنت يومها ولا شك كُسرت حتى ولو كان أبي مسيو "بايركس" وأمي مدام "لومينارك" لكثرة ما تعرضت لتغييرات مناخية، فقبل مشاعري السيبيرية تلك كان الأمر في المسجد عادياً كان حتى انتصبت للصلاة، إذ لم يلبث الإمام أن ينهي فاتحته الأولى إلا وقد بدأت أشعر بإعياء ٍ شديد فككت على أثره ربطة عنقي والزر الخنـّاق الأعلى، ولكن الأمر لم يزد إلا سوءاً خصوصاً وأن الجو في المسجد بدا لي حاراً لدرجة الاختناق، وأتى الركوع الأول والسجود في الوقت المناسب تماماً ليمنع سقوطي على الأرض مغشياً علي، وكنت أحاول جاهداً أن أتمالك نفسي لسببين اثنين: الأول أنني أعلم أن أبي يصلي في مكان ٍ ما خلفي ولو رآني أسقط لسقط ورائي، والثاني أنني تذكرت يوماً منذ سنوات طويلة كنت أصلي فيه في أحد مساجد مدينة اللاذقية في شهر رمضان المبارك، وكان الخطيب يومها قد قدم لنا "فيلم رعب" من العيار الثقيل حتى ظننت بأنهم علقوا على باب المسجد لافتة ً تقول "يمنع دخول الأطقال دون 18 عاماً" -ولست أدري بالمناسبة إن كان هنالك أطفال فوق 18 عاماً-، المهم، كانت خطبة الرعب تلك عن الموت وعذاب القبر وما إلى ذلك، وما إن وقفنا وبدأت الصلاة حتى هوى شاب ٌ يصلي بجانبي مغشياً عليه، ولك أن تتخيل شعوري آنذاك في الموقف ذاك بعيد فيلم الرعب ذاك! كان هذا هو السبب الثاني الذي حاولت لأجله أن أقي من حولي ما كنت قد مررت فيه منذ أمد ٍ بعيد.
كنت في الركعة الثانية أدعو ربي وأتوسل إليه أن يلهم الإمام الاختصار في قراءته لأنه إن لم يركع في الوقت المناسب لكنت في خبر حيثما، وخبر حيثما هذا هو صيغة مشددة من خبر كان، وقد استجاب الله دعائي فكان، وبفاصل فنيهات ضئيلة ٍ جداً عن سقوطي، والفنيهات هذه هي صيغة مصغرة من هنيهات، وكان بعد الركوع سجود، وبعده تحيات ٌ طالت حتى بدت لي دهراً، ولم ينطق الإمام بسلامه إلا وقلت على الدنيا السلام... خلعت معطفي الشتوي الثقيل، والبزة الصوفية التي تحته، وأطرقت برأسي عسى أن أصحو ولكن لا مناص، رفعت ما تبقى في رأسي من رأسي وألقيته على حضن عمي -والد زوجتي- الذي كان يصلي بجانبي، وبدأ "الآكشن"!
 مثلث الحدث
كنت أشعر بكل ما حولي ولكنني في عجز ٍ كامل منعني من أن أمنع أحداً من تفكيك أزرار قميصي وحزامي وأزرار بنطالي! نعم "شلحوني" في وسط المسجد يوم العيد ولله الأمر من قبل ومن بعد!!! كان أحدهم قد أخذ على عاتقه رفع أقدامي إلى ما دون الثريا التي يعشق مصوروا الصلوات في العالم أجمع تصويرها كل مرة ٍ دون أن أعرف أي سبب ٍ لذلك، ولا أعلم على وجه التحديد ما الذي جعل أكثر من "أحدهم" يتناوب على رفع قدمي على مبدأ "آجروا يا أخوان"، أهو وزن أرجلي أم رائحة جواربي؟! تباً لتلك الحمية لم تدع لي مجالاً كبيراً للشك!!!
"لا بل هو هبوطٌ في ضغط الدم، وكان عليهم أن يعطوك محلولاً ملحياً وليس سكرياً!"، كذلك قالت شقيقتي الطبيبة بعد أن وصلت البيت وعم َّ الخبر... ثقبتني رابع ثقوب ذلك اليوم لتأخذ عينة من دمي وتختبرها في المشفى الذي تعمل فيه، وتأتي منه بمحلول ٍ ملحي ٍ لم يجد طريقاً إلى دمي سوى من خلال ثقب ٍ خامس أكمل عيديتي ذلك اليوم بأن جعل من جسدي "منخلة" كما يسمونها هنا في الخليج، ولم يفارقه إلا عن آخر قطرة. وتوالت بعدها الإشاعات تدور من دار ٍ -في العيد- إلى دار، وبدأ العيد يشهد ببيت أبي زيارات ٍ غير مألوفة، من نمط "كنت عند فلان فأخبرني بما حصل فحضرت للاطمئنان"، وتوالت الاتصالات تسأل عن ذاك الذي "أغمي عليه في المسجد"، حتى أن بعض المصادر الديبلوماسية صرحت بأن الاتصالات الخمسة التي أجراها الرئيس الفرنسي "ساركوزي" بالرئيس "بشار الأسد" كان أحدها حول الوضع اللبناني والأربعة الباقية للاطمئنان عن صحتى... هكذا قيل، والله تعالى أعلم!
فضلت إثر ذلك العودة إلى دبي في اليوم التالي كما كان مقرراً في الأصل، رافضاً جميع الدعوات التي طالبتني بالبقاء، لا لشيء ٍ سوى لحرصي على انعقاد مؤتمر القمة العربية القادم في دمشق في موعده، إذ خشيت أن يؤثر وجودي هناك على حركة السير على طريق مطار دمشق الدولي الذي يخضع لعمليات جراحية عاجلة استعداداً للقمة، والتي يجري بناء 27 قصراً في دمشق على شرفها المصون. سألني أخي اليوم، وهل تعتقد بأن الزعماء الـ27 سيحضرون جميعهم؟ أجبته لا يا سيدي، هم أصلاً اثنان وعشرون (اللهم زد وبارك) ولكن لبعضهم زوجاتٌ عديدات، وليس من مصلحة القمة -وبالتالي الأمة- جمع ضرتين في قصر ٍ واحد، هذا والله تعالى أعلم.
رأى خالي الطبيب البارع أن ما أصابني كان "هبوط ضغط انتصابي"، ورغم أنني لا أحب هذه التسمية لما لها من إيحاءات ٍ لا تمت للواقع بصلة فإنني لا أملك سوى أن أطيع خالي الذي أفادني أيضاً بأن السبب وراء ذلك هو التهاب في الأمعاء كان سبباً في أن أقضي يومي َّ الأخيرين في دمشق -عاصمة الموائد العربية- أقتات على البطاطا المسلوقة واللبن الرائب. قال خالي الطبيب: "عليك التخفيف من الشوكولا لأن كثرة تناولها تسبب تصلب الشرايين"، فلله درك أيها الخال، أتركت حرب العراق، وحرب فلسطين، واقتتال فتح وحماس، ولبنان العاري من الرئاسة، والاحتباس الحراري وانفونزا الطيور وجنون البقر وحمى الخراف، ولم تجد من سبب لتصلب الشرايين سوى الشوكولا؟! سأستمر في معاقرتها يا سيدي، ولتذهب الشرايين إلى حيث ذهبت كرامتنا، وعزتنا، ورجولتنا!
وعلى ذكر رجولتنا، أختم هذا الأمر بأن أقول: انتبهوا لصحتكم أيها الرجال، وأقول الرجال على وجه الخصوص، لأن أسوأ ما في كل هذه المعمعة كان نزع الأشرطة اللاصقة التي كانت توضع لي بسخاء ٍ لتثبيت الإبر، نزعها عن أيد ٍ مغطاة بالشعر كما هو حالنا معشر الرجال، وهي تجربة ٌ مرة جعلتني أفهم لأول مرة إعلانات "براون سيلك ابيل" وأحسد النساء عليها!
وكل عام وأنتم جميعاً بألف خير.
|
هي بنايتنا يا زلمة ما شفت هيك شوفة ولا مرة !!!! ايمت هدول ب...
جو الصديق الشرير ليس ذما بالمدينة التي اعيش فيها بل خوفا من...
بصراحة لم استطع التعليق على أصل المقال و مغزاه ..على وجعك يا...
أولا ً الحمد لله انك بخير ..تذكرنك كتير وقت شفت الحادث المرو...
تعجبني تعلقيات شقيقتي زينب (بعلاقة متعدية) التي لا أعرفها لل...