هموم أمة، أم أمة هموم! طباعة أرسل لصديق
21 / 04 / 2007

منذ شهر مضى، وردتني رسالة من الشركة الأمريكية التي أستخدمها لحجز عناوين المواقع، تعلمني بقيامهم بتعطيل بعض العناوين المسجلة من قبلي، بناءاً على معلومات وردتهم من مكتب ضبط الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.

لم أعلم في البداية ما الذي أفزع الأمريكان من "أصولي" الأجنبية، إذ لا تربطني أية علاقة وراثية بأي من أعداء السامية القدامى أو المعاصرين، ولا حتى أمتُّ إلى "الإرهابي" صلاح الدين ببنت صلة، فهو من عرقٍ وأنا من آخر، ولا يكاد يجمعنا سوى سكنى المدينة ذاتها في بيت لي وقبر له، بل ولو كان حياً لكنا اليوم ربما نقتتل أنا وهو في معركةٍ طاحنةٍ حول كمية العرب المسموح لها بعبور كركوك أو نصيب الأكراد من هواء بغداد، فحتى الهواء في بغداد أصبح بحسبان، بفضل ديمقراطية الأمريكان وتفشي حقوق الإنسان، لا بل لكنا دمرنا كلتيهما وما نزال قابعين نتنزه بين المحطات الفضائية نطالع هدم سور الأقصى هنا وحجم الصدر الأقصى هناك... ما الذي أثار حفيظة "عمو سام" من أصولي إذاً؟!

نعم هي وزارة الخزانة، ولكنني أبيت أن أقتنع بأن الأمر يتعلق بأصولي "المادية"، فهذا تركيب لغوي ركيك بالنسبة لي، أصولي المادية؟ لا يصح لهذا المصطلح أن يلتصق باسمي لا كمضاف ولا كموصوف ولا كمعطوف عليه! فكيف اجتمع الأمر في خزائن الأمريكان؟ صحيح أنه لا يكاد يدخلها "سنت" إلا وفيه من لحمنا جلٌ ومن دمنا كل، غير أن هذا ما نراه نحن فقط، ولا يمكن أن يستدق بصرهم حتى يدرك هذه الحقيقة كما ندركها نحن، فالحقائق تحتاج لبصائر لا لأبصار، وهو ما لا يملكون منه قدراً ولا مقدار!

أمعنت النظر أكثر، حتى اكتشفت عم يتساءلون، وكان لعمري نبأ ً عظيما! إنها عناوين كنت قد حجزتها لموقع الشيخ الشهيد أحمد ياسين... يرعبهم الشيخ الكسيح في مماته كما أرعبهم في حياته! أوليس في هذا شهادة أمريكية بأن شهداءنا "أحياء" عند ربهم يرزقون؟ أم أن فرائص جبروت القوة الأعظم ترتعد من الأموات؟ إن كان هذا أو كان ذاك، فما زالت فرائص جبروت القوة الأعظم مرتعدة من شيخٍ عجوزٍ كسيح حياً كان أو ميتاً... رباه، من فيهما القوة الأعظم إذاً؟!

أرسلت اعتراضي للشركة مشفوعاً بدهشةٍ مصطنعة، ولكنهم كانوا قد أسلفوا القول بأنهم لن يتمكنوا من مناقشة أية تفاصيل حول هذا الأمر وأن علي أن أراجع المكتب المذكور، وهذا ما فعلت ولكن بماذا يمكن لأولئك أن يجيبوا؟ هوذا شهر قد مضى ولا حياة لمن تنادي، وأية حياة أتوقع أصلاً ممن فقد مقومات الحياة؟!

كان ذلك قبيل الذكرى الثالثة لرحيل الشيخ العجوز، الشيخ المقعد المشلول ذي "الاحتياجات الخاصة"، ذكرى رحيله على متن صاروخ حربي قذفته طائرة حربية، صممتهما حضارة الأمريكان وصنعتهما تقنياتهم المبتكرة المتكبرة على تخلفنا المزمن الذي ما يفتأ يفتك بذواتنا المدمرة، وأطلقهما جيش "الدفاع" الإسرائيلي، جيش "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، صاحبة السجل الأنصع في حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، الدولة النموذجية المسالمة التي حارت كيف تبني جسور السلام مع جيرانها العرب الأشرار الذين ما فتئوا ينكرون وجودها ويتنطعون لمحوها عن الخارطة! كانت تلك ذكرى الرحيل، رحيل الشيخ الشهيد، منذ عجافٍ ثلاثة.

وإن هي إلا أيام حتى كانت ذكرى رحيل رفيق عمره وجهاده، الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الإرهابي الذي شتتت أشلاءه حمائم السلام اليهودية كما شتتت أشلاء أخيه من قبله وأخوانهما من قبلهما ومن بعدهما فيما يبدو بأنه انتقام يهودي من الله بتشتيت أوليائه أشلاءاً على ما شتت من بني إسرائيل في شتات الأرض وأشلائها.

وتلتها أيام أخر، لتحل ذكرى سقوط بغداد الرابعة، نعم الرابعة وما زال العد جارياً ولما يتوقف العد الفلسطيني بعد، سقطت بغداد منذ أربعةٍ عجافٍ أخر، ولا يكاد أحد يذكر من ذلك سوى سقوط صدام حسين، ولا يكاد يعلق في ذاكرتنا من مشاهد الموت اليومي سوى مشهد إعدامه، وكأن بغداد اختصرت في شخص جلادها كما هي كل حواضرنا منذ قرون، وكأن عدادات الموت اليومي لم تتحرك سوى خطوة واحدة، وهي التي تعد بخطوات مئوية خلافاً لكل عدادات البشر، فهي اختراع أمريكي بامتياز، ولكنه على غير عادة الأمريكان ليس مسجلاً ولا مصاناً بقوانين حماية الحقوق الفكرية، لأن لا خوف عليه من القرصنة أو التقليد، فالقوانين تلزم البشر أما من يستخدم هذا النوع من العدادات فليست تعنيه قوانين البشر!

على أن كل هذه العبقرية الأمريكية لم ترفع عن أصحابها رعباً من شيخٍ قعيد، شيخٍ شهيد، ولا أقول رعباً من سلاحٍ يمنعه شلله أصلاً من حمله، ولكن من اسمه، من مجرد اسمه، أحمد ياسين... بووووو!

وفي مقابل الأمريكان وتقدمهم الخارق، وحضارتهم الفريدة وعقلياتهم الفذة، والتي احترنا كيف نتقمصها جميعها في كل حركاتنا وسكناتنا من أعلى درجات الإدارة والتخطيط إلى أدنى شذرات المأكل والمشرب والملبس، في مقابل ذلك – والأحرى أن نقول تحت إبطه – يصفعني تفاعلنا مع كل هذا على مختلف جبهات هذه الأمة المهلهلة وجهاتها، وكأني بالتماسيح قد تجنست بالعروبة أو لكأن العروبة تمسّخت حتى تمسّحت لشدة ما حابت وكثرة ما تمسّحت، فسهرات الصباح والليالي الملاح لا تكاد تنقطع لا في حواضر ولا في بطاح، وما زالت الأفراح في ديارنا زاهرةً بالقيان عامرةً بالغلمان بالألوف وعشراتها، فتلك هي شاكيرا تغدق علينا العطاء فنرد الجود بأجود ونغرقها بعشرين ألفاً من الحضور نهلوا علماً وحضارةً من غزير إليتيها الصدّيقتين، وذاك خطيب الجمعة يشهر سلاحه الفتاك في وجوه أعداء الأمة جميعهم كما جل خطباء الجمعة في جل مساجدنا من المحيط إلى الخليج حين يشهرون السلاح الفتاك ذاته فتنتفخ أوداجهم وهم يدعون الله رب العزة قائلين "اللهم من أراد بدينك شراً فاصرف عنا شره يا رب العالمين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم ونجعلك في نحورهم"، ولست أدري لم لا يحدد خطباؤنا الأشاوس على أية قناة يريدون من ربهم أن يرينا "عجائب قدرته"! وتستمر مسيرة انتقاشنا بحاضرنا ومستقبلنا وتفاعلنا مع ما حولنا لنجد إحدى محطاتنا الفضائية الرسمية - الصاعدة لا الهابطة - وقد حققت نصراً مؤزراً ما زالت حائرة كيف تعبر عن فخرها به، بعد أن تمكنت من تعزيز رسالتها بأحد العمرين: الإعلامي الفذ نيشان ديرهاروتيان الذي تطاوس مزهواً بإنجازاته العظيمة بجمع "النجوم" تحت ضوء واحد بصيحاتٍ لا تكاد توازيها سوى "الله أكبر" التي حرر بها صلاح الدين بيت المقدس، وذلك في برنامج فني مستنسخ "آخر" توجت به تلك المحطة إنجازاتها العظيمة، برنامج جديد اسمه يختصر واقع هذه الأمة الواقع: تاراتاتا!

الأربعاء الماضي، شهدت بغداد وحدها إزهاق أكثر من مائتين من الأرواح البريئة في يوم واحد.

بعدها بيومين، انبري خطيب الجمعة ظهراً للإشادة بعظمة الإسلام في حثه على النظافة، من تقليم للأظافر ونتف للإبط وحلق للعانة، والتباهي باكتشاف السواك يوم كانت أوروبا "تغوص في الوحل والطين" على حد تعبيره.

ولم يكد اليوم الفضيل ينقضي حتى ازدانت سهرته بحفلٍ بديع، زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب الحناجر أثناء اختيار مجموعة المرشحات المؤهلات للدخول في مسابقة ملكة جمال لبنان.

استشهد ياسين ومنع اسمه من التداول، واستشهد رفاقه وأبناؤه وبناته ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وسقطت بغداد بعد بيت المقدس ولم تتوقف عدادات الموت فيها منذ سنين، وتوالت النكبة تلو النكبة والنكسة تلو النكسة حتى لم نعد نفكر في ابتكار مسميات جديدة لمصائبنا كما كنا نفعل من قبل، وما زلنا نمسك الريموت كونترول في صلواتنا لنجعل الله في نحور أعدائنا ونعود إلى أرائكنا ونتابع تراتاتا.

وتاراتاتا.

 

 

2007-04-30 22:39:25 من أروى:
أشعر بالعجز على التعليق على هذاالمقال بتداعياته الضاحكة ...
2007-04-28 23:03:47 من عابر:
في مقال نشر قبل عدة اشهر لتوني بلير يقول في فقرة منه بان...
2007-04-21 19:23:43 من نهى:
مقالة رائعة بل اكثر من رائعة وقالت الوالدة لنبدء بان...
2007-04-21 17:17:58 من ايمان:
فايز بكتني كلماتك كما اضحكتني انتقاداتك....على قولة اخوانا ا...
 
كبيرة يا صغيرتي، وكلنا صغار! طباعة أرسل لصديق
16 / 04 / 2007

(مع شكري للأخ عابر الذي قادني لهذه الغصة)

2007-05-28 02:06:51 من فارس:
عزيزي فايز ، تحية طيبة :D وعتاب كبير ، عام على اطلاق المد...
2007-04-28 22:46:41 من عابر:
السلام عليك اخي فايز شفت الاختلال الذي نحياه وصل الى اي...
2007-04-26 21:54:55 من WassimBeik:
هزيتلي بدني الله يهز بدنك يانصر الله اقترب,,,
2007-04-19 11:16:12 من ناهد:
اذا نجحنافي أن نجعل أبناءنا كلهم خلود يومها فقط ستعود فلسطين...
2007-04-18 13:37:39 من Fuad:
الفيديو لم يعمل كأنه لم يوضع اساسا. اذا كانت الفتاه التي تن...
 

 
زادي

"فأعرِض عن من تولى عن ذكرنا ولم يُرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إِن ربك هو أَعلم بمن ضل عن سبيله وهو أَعلم بمن اهتدى"

(رب العزة)

 
أرجائي
زواري
من هذه الأصقاع أتوني
تاريخي
أوقاتي
عناكبي
الغجرية
نافذة على الحقيقة
أنس أونلاين
المتجمد الشمالي
مضارب بني جهلان
مساحة للتنفس
كلمات خاصة
السوشي الوردي
أميري.إنفو
تأملات تافهة
رؤى - مدونة حلا طه
مصطلحـ@ شا100
يلي خلئ علئ و يلي...
صار للدبانه دكانه...
متل الخنفسة بالطا...
سئيل
كمشتو
متابعتي
المدونة الشامية
مكمورتي

XING