|
في يوم ما من هذا الزمان، كنا نقول:
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ
وكنا وقتها نقرأ ونسمع أخباراً على شاكلة:
"الجامعة العربية تصدر بياناً شديد اللهجة يدين اعتداءات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة"
ثم أتى زمانٌ لاحق، تطورت فيه مفاهيمنا المتخلفة بفضل تنورنا بقيم الحضارة الغربية الراقية والمسالمة، وأدركنا بأننا كنا ضالين مضللين بين براثن نظرية المؤامرة، وأدركنا أنه لا يوجد "آخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ"، وأن لغة التخوين هذه جرم ٌ كبير وإثم عظيم.
قومنا لغة خطابنا وصرنا نقول:
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ
وصرنا إذ ذاك نقرأ ونسمع أخباراً على شاكلة:
"دول المواجهة تعرب عن قلقها من تحركات العدو الصهيوني على الحدود مع فلسطين المحتلة"
وبعد هذا بزمنٍ غير بعيد، تنبهنا بفعل اقترابنا أكثر من "الآخرين" الذين كنا نظنهم -ظلماً وجهلاً- متآمرين، تنبهنا إلى ضرورة تخلينا عن ما بقي في نفوسنا من عدوانية وحتمية تخلينا عن الإرهاب لكي نتمكن من الانخراط في أكناف المجتمع الدولي - ذلك البت الدافئ والآمن والذي لن نجد لمشاكلنا وتخلفنا عنه بديلاً.
صرنا نقول:
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
عندها، أصبحت الأخبار ترد على شاكلة:
"دول مجلس التعاون تدين العمليات الإسرائيلية في الضفة والقطاع"
ثم أتت أفضل مراحل زماننا حضارةً وتقدماً، فنبذنا العنف ولغة القوة وجنحنا إلى عالم السلم والسلام، ذلك العالم الزهي البهي الأكثر إنسانيةً وتقدماً من أي خيار ٍ أحمق سواه، ولم نبق ِ من شعاراتنا الجوفاء تلك سوى:
وصارت أخبارنا على شاكلة:
"مصر والأردن تدينان العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية وتقول إنها لا تساعد عملية السلام"
ثم صقلتنا حضارتنا الجديدة أكثر فصرنا أكثر نعومةً ورقياً وأقل كلاماً وأكثر فعلاً، فقلبنا "وأعدوا" إلى "واعدوا"، وكانت مواعيد أنابوليس وشرم الشيخ وسواهما، ثم رققنا أكثر فوصلنا إلى حيث نحن اليوم فلم نبق مما بقي سوى "عدّوا"، ولم نعد نجيد أكثر من عد الضحايا على مدار اليوم والساعة، ونتابع محطة الأخبار التي تعرض عدادات ٍ أجمل وأكثر نشاطاً من غيرها، وكلما أحسن فنانو المحطة تصميم عداداتها كلما علت نسبة مشاهدتها وعلى دخلها الإعلاني.
الأخبار اليوم أصبحت من شاكلة:
"حكومة كردستان العراق تدين الغارات الإسرائيلية على غزة"
قريباً جداً، سنحذف شدة الدال ويصبح خطابنا "عدوا" فنقعد أكثر مما نحن قاعدين اليوم، ثم نوغل في تقدمنا وتحضرنا فلا نبق منه سوى "ع"، يخزي العين، يا ليل يا عين، وميجانا يا ميجانا.
أما أنا، فلم أعد أقوَ على قولٍ أكثر أو أقل من "إع"
|