"وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
أضيئت الشموع من أجل غزة.
لا أعلم على وجه اليقين ما الذي تعنيه إضاءة الشموع غير اقتفاء ما ليس لنا به علم، غير أني أظنها تعبيراً عن "الحكمة" السائدة التي تقول "أن نضيء شمعة خير من أن نلعن الظلام ألف مرة"، ولكن من هو ذاك "الحكيم" الذي حدد خياراتنا في الحياة باثنين لا ثالث لهما؟ وما عساها تفيد الشمعة إن كانت مصائبنا تأتي في وضح النهار؟! خير لنا أن نوفرها لمن يحتاج أن يشعلها ليتدفأ بها بدل أن نبددها على طرقات مضاءة بأنوار ٍ احتفالية ٍ براقة.
مخطئ ٌ من ظن أن إضاءة الشموع تفيد أحدا.
خرج الناس في مسيرة "صمت من أجل غزة" – أو للأمانة العلمية: "سايلانس فور غازا"
وكأن غزة تحتاج لمزيد من الصمت؟ أم كأن غزة تحتاج إلى مزيد من الصمت؟ أو ربما يقتل الصمت شيئاً من الصمت؟ أو يقتل شيئاً من القتل؟ أم ما عساه يفيد المزيد من الصمت فوق كل هذا المزيد من الصمت؟!
مخطئ ٌ من ظن أن الصمت يفيد أحدا.
وخرجت مظاهرات ٌ عارمة.
لله در من قال "قد أسمعت لو ناديت حياً... ولكن لا حياة لمن تنادي"! مليون ٌ هنا واثنان هناك، أصوات ٌ هنا وإحراق أعلام ٍ هناك، وقمع ٌ هنا وقمع ٌ هنا وقمع ٌ هناك... وماذا بعد؟ من لم يسمع بعد ما أصم آذان الأطفال ولم ير بعد ما أطفأ نور عيونهم فما عساه يسمع بعد وما عساه يرى؟! "خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ"
مخطئ ٌ من ظن أن التظاهر يفيد أحدا.
وعادت المقاطعة إلى أوجها.
نمتنع عن أجبان "كرافت" ولا نتعشى بعد سوى "لافاش كيري". نمتنع عن شرب القهوة عند "ستاربكس" ولا نشربها بعد سوى عند "كوستا". ونمتنع عن تدخين "مارلبورو" ولا ندخن بعد سوى "دافيدوف". ومن نتمنـَّع من أجلهم لا يتعشون البتة ولا يجدون للقهوة ما يوقدون! ما نحن فاعلون إذاً؟ ندمر الاقتصاد الأمريكي؟ ها هو ذا قد دمر بالفعل – ليس بجهودنا الفذة هذه بل فقط بغبائهم وتخلف أنظمتهم، فما الذي تغير؟! ما أردنا منعه لم يزدد إلا وحشية ً ودموية ً وبطشاً.
مخطئ ٌ من ظن أن المقاطعة تفيد أحداً، أو حتى تضر أحدا.
كل ما فعلناه، ونفعله، ونود أن نفعله هراءٌ في هراء. وكل من رضي بما فعل مما ذكر أو أراد أن يفعل من ذلك من شيء واهم ٌ، واهم ٌ، واهم. ولعل هذه هي النتيجة الوحيدة لكل أشكال "الهبـَّة" هذه – نشوة الوهم.
الدم أيها السادة لا يقابله سوى الدم. والقتل لا يردعه سوى القتل. والإرهاب لا يئده سوى الإرهاب. والحديد يا سادة، ليس إلا بالحديد يـُفلـَح. ومن اتخذ أي طريق آخر مخطئ ٌ، واهم ٌ، مضلـَّل ٌ، جاهل!
"وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ"
من كان منا رامياً فليسدد رميه ولا يقفُ ما ليس له به علم، " إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً". لا التظاهر ولا الصراخ ولا الشموع ولا الدموع ولا التمتـُّع رغم التمنـُّع له في الأمر من شيء، وليس يجدي في الحديد سوى الحديد.
فلنفكر في كل ما نفعله أو نريد أن نفعله ونقيـِّمه وفق قاعدة واحدة وحيدة: هل يمكن لهذا الفعل أن يساهم في دعم المرابطين في ثغور بيت المقدس وأكناف بيت المقدس بمقاتل، أو سلاح، أو عتاد، أو ذخائر، أو يؤمن لهم أي إمداد؟ إن كان نعم فبه ونعمت، وإن كان لا فلنقلعنَّ عن الركون إلى أسلحتنا المخملية ومعاركنا الافتراضية وانتصاراتنا الخلـَّبية تلك، ولنـُعـِد التفكير بما نـُعـِدُّ لنـُعـِدَّ ما يجب أن يـُعـَد!
" وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ "
هذا من ناحية.
أما من الناحية الأخرى، فلا كنا ولا عشنا ولا هنئنا بلقمة عيش لا الآن ولا آنفاً ولا لاحقاً وفي الشهداء من ترك خلفه أهلاً بلا كفيل! شهداؤنا هاجروا إلى الله ونحن هنا أنصارهم، فلا سامح الله منا من كان قادراً على كفالة طفل ٍ أو أم ٍ أو أسرة ٍ أو أكثر أو أقل ولم يفعل، وتالله إنا جميعاً لقادرون، وكيف لا وأكثرنا فقراً وعوزاً ليجد اليوم أكثر مما يجده اليوم أكثرهم؟ فلنقسم اللقمة لقمتين والشربة شربتين، ولنقسم كروشنا المتخمة عشراً وعشرين – ستكفي ولا شك، تكفي وتزيد!
كيف وأين ومتى؟ ستنجلي الغمامة يوماً أدعو الله أن يكون قريباً، وسنجد لذلك غير طريق، فلنكن يومئذ ٍ جاهزين.
" إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "
|