|
22 / 05 / 2006 |
|
هل سمعت بمن يسمونهم "المثقفين"؟ لا شك بأنك سمعت بهم مراراً وتكراراً، ولا شك بأن تأثرك بهم وصل لأكثر من حدود السمع، فإن لم تكن قد تأثرت بما يقولون -لمجرد أنهم "مثقفين"- فقد تأثرت على الأقل ببعض انعكاسات ما يقولون على شيءٍ من واقعك. أوليسوا "مثقفين" قادرين على إحداث التغيير في مجتمعك وسياسة دولتك؟
بالنسبة لي، فقد سمعت عن هؤلاء الكثير، وما زلت أسمع وأرى وأتابع، ولكنني حتى الآن لم أتمكن من إيجاد تعريفٍ أو توصيفٍ دقيقٍ يشملهم، فحين نقول "علمانيين" نعلم بأننا نتكلم عن انتماء سياسي، وحين نقول "إسلاميين" فإننا نتحدث عن انتماء إيديولوجي، وحين نقول "ليبراليين" فإن ما يخطر ببالنا هو انتماء اقتصادي (بغض النظر عن تحوله مؤخراً إلى سياسي)، وهكذا... أما حين نقول "مثقفين" فماذا نقصد؟ هل "الثقفنة" انتماءٌ سياسي؟ إيديولوجي؟ اقتصادي؟ فكري؟ اجتماعي؟ عرقي؟ أم ماذا؟ أم هل تجوز فيها كل هذه الأوجه؟ حسناً، إن قلنا بذلك، فكيف أعلم أنا مثلاً إن كنت منهم أم لا؟ كيف أعلم إن كان الحديث عن "المثقفين" يشملني أم لا؟ ما هو المقياس الذي يشرفني بالانتماء لهم أو "يشرشحني" بحرماني منه؟
أم لعلها تسميةٌ يراد بها منح هويةٍ وجوديةٍ لمن هم "لا منتمين"؟
ربما، وهذا ما أجده أقرب التفاسير لقناعاتي، ولكنني لم أزل أبحث عن المقياس الذي يتم وفقه التمييز بين "المثقفين" و "الرعاع" -لعله التصنيف المقابل؟ لست أدري! نعود للمقياس، فهل يكفي مثلاً أن أكتب بضع مقالاتٍ "تمردية" في أية صحيفةٍ هنا أو هناك لأصبح "مثقفاً"؟ أم هل تكفيني قراءة عناوين الأخبار وعناوين الكتب وحفظ بعض الأسماء والأقوال المأثورة؟ أم لعل إدماني على "البوب كورن" في صالات السينما قد يفي بالغرض؟ لست أدري... ربما يتطلب الأمر أكثر من ذلك، كأن أكون "بطلاً" أعافس "بطلةً" وألعن أبا "الإرهاب والكباب" في ميادين الوغى التلفزيونية؟ رباه، أرجو أن لا يكون الأمر بهذه الصعوبة! هل من اقتراحاتٍ أخرى؟ ربما... أتذكر الآن أن دبي التي تحول كل ما في الدنيا إلى استثمارات عقارية لم توفر الثقافة من ذلك، فأطلقت منذ أيام مشروعاً عقارياً (آخر) أسمته "قرية الثقافة"، فهل يكفيني حجز عقارٍ في ذلك المشروع لأصبح من "المثقفين"؟ وهل يضمن لي تقسيط ثمنه على عشرين سنة استمراري بحمل اللقب لفترةٍ موازية؟ تبدو هذه طريقةً فعالة ومجزية في نفس الوقت، إذ قد يؤمن لي هذا العقار مصدر دخلٍ محترم لو قمت بتأجيره، ولكن مهلاً... هل أحتفظ بلقبي الجديد في هذه الحالة أم أنه ينتقل إلى المستأجر؟ علي أن أسأل عن هذا. ولكن، أسأل من؟ أوووووه... عدنا لنقطة البداية، هل للـ"المثقفين" من يمثلهم؟؟!
بقي احتمالٌ واحد، أعتقد بأنني حين أذكره فإنني سأنتقل فوراً إلى فئة "المتطرفين" -في نظر "المثقفين" على الأقل، ولكنني -رغم ذلك- سأذكره، فإن كنت "متطرفاً" فلا بأس، فذلك أيضاً تصنيف لا مقياس له -نحن إذاً متعادلون! الاحتمال المتبقي أستلهمه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"سيأتي على الناس سنواتٌ خدّاعات، يُصَدَّقُ فيها الكاذب ويُكَذَّبُ فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويُخَوَّنُ فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيبِضة. قيل وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"!
هل يذكرك هذا الحديث بأحدٍ من "المثقفين"؟!
|