|
وها أنا ذا أعود بعد غياب. كانت أياماً حافلةً تلك التي مرت، شخصياً وسياسياً، ما جعلها بالنتيجة حافلةً فكرياً، إذ كانت الأفكار تتلاطمني ذات اليمين وذات الشمال، وأبدأ بين نفسي ونفسي بكتابة مقالٍ جديد كلما انتهيت من مقالٍ جديد، ثم أعود وأتعقل، بعد أن يبلغ البيان مني مبلغاً أعلم أنه سيعود علي بشذر مذر، فكلنا اليوم أصبحنا متطرفين، إن إلى هناك أو إلى هناك، وأنا الذي كنت أعشق وأحترف استفزاز خصومي في الفكر أصبحت أنأى بجانبي عن أي كلام، لأنني أشفق عليهم كما على نفسي إذ أوقن أننا اليوم بلغنا حافة الانهيار، فلم يعد أحدنا يحتمل رأياً آخر - ولا أقول مخالفاً، بل مجرد آخر - حتى تثور حميته وتراه يهرع إلى غاية مبلغه بقفزةٍ واحدة، تحاول أن تصده عنها فلا تجد من سبيلٍ سوى أن تقفز مثلها في الاتجاه الآخر. ألم أقل لكم إننا اليوم كلنا متطرفون؟ وإني والحال هذا لم أعد أرغب في توريط أحدٍ ولا توريط نفسي بموبقات القول وتطرفه، فيأثم بسببي أو آثم بسببه، وفضلت الصمت مؤقتاً، مع يقيني بأنني لن أستطيع له صبرا. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إنّ بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، فكسِّروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإِن دخل -يعني: على أحد منكم- فليكن كخير ابني آدم". وإني لأحسبنا في هذا، وإني لأخشى على من أصبح مسلماً أن يمسي كافراً بسبب رده علي، وإني لأخشى على نفسي أن أمسي مسلماً وأصبح كافراً بسبب ردي على أحد، فهل يلومني في ذلك أحد؟ ختاماً، وخارج أشواك هذا الموضوع، ولأسبابٍ متعددة لا مبرر لذكرها، فقد أقلعت عن حجبي لردودكم وقررت نشرها ضمن سياقاتها، ولكن فقط بعد أن أراجعها، لا لفرض وصايةٍ على آرائكم بل فقط لأنني لم أتمكن بعد من الإيمان بأن حرية التعبير حق، بل ما زال تخلفي يفرض علي قناعتي بأن حرية الفكر حق، ولكن حرية التعبير مسؤولية، ومسؤوليةٌ كبيرة جداً، وخطيرةٌ جداً. على كل حال، سترون بأنني سأنشر كل ما يأتيني إلا قليلاً جداً، لا أعلم ما هو وإنما أقول هذا فقط لأتيح لنفسي المجال! ثم إنني سأتميز في هذا عن كل دوائر الرقابة في العالم، وأطبق قانون "حرية الإعلام المسؤولة" هذا بأثر رجعي! نعم بأثر رجعي! ولكم أن تتجولوا بين صفحاتي لتروا ردودكم السابقة منشورةً هناك فتصدقوني! وإلى لقاء.
|