 فيلم "الجنة الآن" وصل أخيراً... الفيلم الذي ضجت به الدنيا، الجنة الآن. إنه الفيلم الذي رشّح لجائزة أوسكار، وحاز على ست جوائز عالمية أخرى، إضافةً إلى جائزة من منظمة العفو الدولية (!)، وتم اختياره في ثلاثة مهرجانات سينمائية عالمية، وكان فيلم الافتتاح لمهرجان رابع، وأهريق له من الحبر الصحافي ما لا أدري له حجما... إنه الفيلم الذي تم تمويله من قبل نصف دزينة من الصناديق الأوروبية، وتم إنتاجه أمريكياً بجهودٍ ومهارات عربية خالصة (ولا فخر)! إنه الفيلم الذي يروي قصة شابين فلسطينيين خلال ثمانٍ وأربعين ساعةً سبقت قيامهما بتنفيذ عملية انتحارية في المدينة الوديعة تل أبيب. إنه الفيلم الذي من المفترض بأنه أوصل للغرب صورةً عن حقيقة هؤلاء الشبان وحقيقة تلك العمليات وحقيقة كل حقيقة. حسناً، فلتبدأ المفرمة. (ألم أقل لكم بأنني لن أستطيع لصمتي صبرا؟) يعرض الفيلم قضيةً أخروية بمقاييس دنيوية، هل أكمل أم يكفي إلى هنا؟ لا بأس سأكمل. لا يمكن لهؤلاء الناس أن يفهموا فكيف لهم أن يتنطعوا لنقل الفهم إلى الآخرين؟ كيف يمكن لمن لا يفهم معنى الشهادة ولا يفهم معنى الآخرة ولا يفهم معنى الجنة والنار والحياة الدنيا والحياة الآخرة والثواب والعقاب ووووو... كيف لهذا أن يتكلم في الشهادة ويتنطع لتحليل نفسية الشهداء ودوافعهم؟ كيف لمن لا يعرف من الحياة سوى الدنيا أن يخوض في شأنٍ خارجها؟ ليس أمامه سوى إخضاعه لمقاييسه التي يعرفها ولا يعرف غيرها، لماذا؟ لأنه "لم يرد إلا الحياة الدنيا" فكانت النتيجة أن "ذلك مبلغهم من العلم"! فكيف لمن كانت الحياة الدنيا مبلغه من العلم أن يخوض في ما هو جاهلٌ فيه؟ بالله عليكم كيف؟ وفي مقاييس الحياة الدنيا، تبدو فكرة تفجير النفس لقتل أكبر عددٍ ممكنٍ من (الأبرياء) فكرةً عجيبةً بكل المقاييس، يحتاج تسبيبها لتحليلات وتحليلات... والنتيجة في المقاييس الدنيوية: إما يأسٌ أو انتقام، وهذا ما كان الفيلم (الرائع) هذا يطرحه، مع إضافة بعض (المنكهات) من مثل حب البطولة والظهور وما إلى ذلك من زخرف الدنيا وبهجتها.  قائد "الكتائب" صورة بطلي الفيلم إذاً -الشابين الفلسطينيين المتوجهين للشهادة- مسخت حتى أصبحت أشبه بصورة معتوهين، أو جاهلين، أو في أحسن الأحوال وأكثرها براءةً مغرر بهما، من قبل من؟ من قبل قادة (الكتائب) الذين ظهروا في الفيلم أشبه بقادة عصابات المخدرات الكولومبية أو عصابات المرتزقة المكسيكية! إنني لا أدعي هنا بأن هذه الأمور كانت مقصودة، لا أبداً بل سأحسن الظن حتى حدوده القصوى، إنما هي نتيجةٌ طبيعية للإخضاع القسري لعملٍ أخروي، إخضاعه لمقاييس دنيوية.  مسخ الأبطال كيف يمكن لهؤلاء أن يفهموا شخصية الاستشهادي الفلسطيني؟ لا أعتقد بأن هنالك أي أمل، ما لم يحاولوا أن يقتربوا أكثر من ثقافة الشهادة، وثقافة الآخرة، وهذا آخر ما قد يرغبون بفعله! الجنة الآن، باختصار، فيلم سيءٌ جداً، يسيء للشهداء ويسخر منهم، ويسيء للمجاهدين ويسخر منهم، ويسيء للمقاومة ويسفهها، رغم أنه حاول حشو النصوص ببعض الملطفات الوطنية ولكنها كانت محاولةً مكشوفةً لادعاء الحيادية. هذا بشكل عام جداً، أما إن تطرقنا إلى التفاصيل، فسيلزمنا في النقد صفحاتٍ وصفحات!  تهكم وسخرية إنها مصيبةٌ أننا وصلنا إلى هذا المستوى، حيث يشوه أقدس مقدساتنا، أبناء جلدتنا! إنها مصيبةٌ أن تجد (هدى غالية)، أن تجد اليوم من يواسيها وتجد من يتبناها، ولا تجد غداً من يدافع عنها، اللهم سوى بالوسائل (البديلة) التي يروج لها هذا الفيلم على أنها طريق الخلاص! إنها مصيبةٌ أن يسفّه اللادينيون المقاومة ويهزؤوا بركائزها الفكرية، كما هي مصيبةٌ أن يخلط السفهاء بين المقاومة وسفك الدماء. إنها مصيبةٌ أن يتبادل اللادينيون التهاني ويقدموا الورود للمجرمين لأنهم قضوا على مجرم (بشري) آخر بنصف طن من المتفجرات تحمله طائرات الحرب، كما هي مصيبةٌ أن يحتفل السفهاء بما يظنونه (شهادته) ويلبسوا المقاومة الفلسطينية ثوبه! إنها مصيبةٌ كبرى، أن نرى الذبح بالسكين أفظع من التدمير المنهجي بأعتى ما عرفت الكائنات من عتي، وإنها لمصيبةٌ كبرى، أن نشرّع ذبح الأرانب للانتقام من جبروت الضباع! ألم أقل لكم من قبل إنه زمن الرويبضة؟!
|