|
معشوقتي الأولى، كانت هذا الصيف مختلفة. لم تكن عيادتي لها هذا الصيف ككل مرة، بل كان علي أن أحرمها وأحرمني من نصفها، فلم أحظ بها سوى لأسبوعين كان همها خلالهما يغمرني، وهمي خلالهما يغمرها، فلم نكد نعي من منا يحمل هم من، أو لعله الهم ذاته أغشاني وأغشاها فأعياني الحرص عليها، وأعياها. حبيبتي هذا الصيف اعتراها الهم والأسى، ولكنها كما كانت من يوم أن كانت لم ترض إلا أن تكون الحضن الدافئ والقلب الحنون، ليس لي متيّمها وإنما لكل من لجأ إليها من رمضاء الوحشية والهمجية وما لا يمكن وصفه بكلمات صيغت للبشر. فتحت دمشق ذراعيها لتضم كل من قصدها من لبنان. لبنان الذي كان حتى الأمس القريب لا يوفر من حقها حقاً إلا أغفله ولا في حقها حقاً إلا بهّره وعـَصفـَره. لبنان الذي كان حتى الأمس القريب ابناً عاقـاً لأمه لم يجد عند حاجته سوى صدر أمه، أمه التي لا يغيرها عقوق ولا إغفال حقوق، أمه التي لا تعرف سوى العطاء ولا تنتظر مقابلاً من أحد، أمه التي احتضنته اليوم كما احتضنت قبله أبناء العراق وقبلهم أبناء فلسطين وقبلهم الأرمن والشركس وسوى هؤلاء وسوى أولئك من فجر الزمان، دمشق حبيبتي التي لا تعرف الصد ولا الرد ولا الانتقام، دمشق حبيبتي الطيبة الكريمة العبقة، طيبَ أهلها وكرم أرضها وعبق زهرها، دمشق حبيبتي كانت هذا الصيف، مختلفة. في الشوارع وعلى النوافذ والشرفات وعلى زجاج السيارات رفرفت راياتٌ صفراء كثيرة، تجاهر للعالم بأسره "نعم، نحن من يدعم حزب الله"! على أرصفة الشوارع وفي سيارات الأجرة وحافلات النقل العام اختفت الإذاعات اللبنانية التي أدمن السائقون والباعة على سماع ما تبثه ليل نهار من أغاني العشق وبرامج الهوى، لتحتل أثيرها الإذاعات الجادة التي تبث الأغاني الوطنية والحماسية والأخبار تلو الأخبار، هذا الصيف لم أسمع أياً من تلك الإذاعات كما اعتدت أن أسمع لسنوات، لا في تاكسي ولا في زقاق ولا في غير هذا ولا سوى ذاك، كان الجو بأكمله في دمشق يقول "نعم، نحن من يدعم المقاومة". في شوارع دمشق هذا الصيف تجد سيارات تاكسي خاصة، ما زال أصحابها يقتطعون أقساطها من قوت أطفالهم ولحوم أردافهم، تجدهم هذا الصيف قد علقوا على زجاج سياراتهم وريقات تقول "خدمة التوصيل المجاني للأخوة اللبنانيين"! حتى هؤلاء لم يرضوا أن يفوتهم البر فوجدوا ما يقدمونه رغم ضيق حالهم وسوء أحوالهم. كان هذا مشهداً اقتطع من فؤادي مساحات ٍ شاسعة. كذلك كان ما فعله آخرون فتحوا بيوتهم ليـُسكنوا فيها أخوة ً لهم لا يعرفون عنهم سوى أنهم باتوا بلا مأوى، فمنهم من استضافهم في بيته الأوحد ومنهم من كان أيسر حالاً ففتح لهم بيتاً له غير مسكون، الكل هناك كان هذا الصيف فريداً ومتميزاً. مدارس دمشق كانت هذا الصيف مختلفة. أبوابها مشرعةٌ على غير عادتها، تظهر خلفها عائلاتٌ متجمعة ٌ شردتها وحشية "شعب الله المختار"، المدارس والمساجد والجمعيات الخيرية وكل ما كان يصلح لاستضافتهم شرّعت أبوابه كذراعين تنتهيان إلى حضن ٍ دافئ، حتى ذلك البناء الحكومي الذي كان حتى أمس ٍ قريب إدارة ً لمعرض دمشق الدولي العريق، تحول ملاذاً آمناً لمئات اللاجئين. أطلُّ على استحياء من خارج الأبواب المشرعة فأرى وجوهاً تجمعت في حلقات تنتظر شيئاً ما، حدثاً ما، خبراً ما يقنعهم بأنهم لا يشبهون من كانوا مكانهم عام ثمانية وأربعين ولا سبعة وستين، وأراهن بأنهم حتى الآن لم يجدوا ما يتطلعون إليه. حبيبتي كانت هذا الصيف مختلفة، وأهلها كانوا مختلفين! أولئك الذين كانوا قبل أشهر عاتبين وحانقين وأحياناً غاضبين من كل ما هو لبناني، هؤلاء أنفسهم نسوا كل ما كان من أخوانهم وكأنهم بدلوا سيئاتهم حسنات، فجعلوا يتسابقون في عونهم واحتضانهم والعناية بهم. حتى تجار دمشق الذين اشتهروا بحذاقتهم وحرصهم تناسوا اليوم كل دفاتر حساباتهم وتباروا في إرسال العون إلى المدارس والجمعيات وكل مكان وجدوا فيه من أشقائهم من يحتاج إليهم. أهل دمشق جميعاً كانوا على قلب رجل واحد، إن دعماً للمقاومة أو تسابقاً في مد يد العون لأهليهم، أخوانهم وأخواتهم وأمهاتهم وآبائهم وأبنائهم وبناتهم، يتلقفونهم بالمحبة والعون منذ وصولهم إلى نقطة الحدود ناجين وحتى قرارهم في قلب دمشق آمنين. عند نقطة الحدود تلك تجمع بعضهم ممن رأوا ربما بأن الأمر "مش حرزان" أو شعروا بأنهم هناك أقرب إلى بيوتهم. عند نقطة الحدود تلك وقف طفلٌ بين والديه يمسح دموعاً مكبوتة ً ولكنها حارقة كقنابل من شردوه، سألت الشرطي الواقف إلى جواره ما خطبه علي أستطيع أن أساعده، فأجابني بتهكم "ليش عم يبكي يعني... شو قليل اللي صاير فيهم؟" شعرت بسخفي ومضيت. كانت دمشق هذا الصيف كئيبة ً نعم، حزينة ً نعم، كليمة ً نعم، ولكنها كانت كما كانت منذ ولد التاريخ نفسه، الحضن الدافئ والقلب الكبير لكل من يقصدها. مطار دمشق المتواضع المصمم لاستقبال خمس طائرات معاً والذي يضيق عملياً باستقبال اثنتين كان عليه أن يعوض عن مطار بيروت النشيط بين ليلة ٍ وضحاها، ففعل! ضاقت عليه الأرض بما رحبت نعم، ولكنه فعل، قائلاً -ربما- في نفسه "لأن أجود بالموجود خير ٌ مما في هذا الوجود"، ولأجل هذا فقد استـُنفذت جميع إمكاناته وجميع موظفيه وعماله وحتى عربات أمتعته المتهالكة أصلاً أصبحت عملة ً نادرة. أخبروني في شركة الطيران بأن علي التواجد في المطار قبل أربع ساعات من موعد الإقلاع بسبب الازدحام، وهذا ما كان. بعيد أول مدخل ٍ كانت امرأتان لبنانيتان يرافقهما زوجٌ من الأطفال، وقفت إحداهما تسب وتلعن وتشتم بصوت ٍ عال، لأنها اضطرت لرفع أمتعتها من جهاز الأشعة إلى العربة بنفسها، كانت تصرخ بالشتائم ساخرة ً من المطار ومن فيه مكررة ً بين الشتيمة والأخرى "ولا بمطار بالدني صار معي هيك ولا بمطار" لتردف رفيقتها صارخة ً "شو هيدا مطار والا خرابة"! كنت حينها أرفع أمتعتي عن الجهاز بصمت وأفكر إن كنت أستطيع مساعدتهما، ولكن صراخهما وسلاطة لسانهما لم تتركا لي الكثير من الخيارات. حاول ضابط الجمارك القريب أن يهدئ من روع أشرسهما بكل أدب، واعداً إياها بتأمين عامل ٍ يساعدها على وجه السرعة، طالباً منها فقط التحدث بأدب، ولكنها أبت إلا أن تستمر! في الأثناء دفعت الأخرى عربتها التي كدست عليها ثلاث حقائب ضخمة فتمايلت العربة كما تتمايل في أكثر مطارات العالم تقدماً وهوت بما عليها، فارتفعت وتيرة الصراخ والشتائم، تقدمتُ بصمت ٍ ورفعتُ الحقائب الضخمة الواحدة تلو الأخرى لأعيدها كما كانت، ولم أكن أنتظر بالطبع أي كلمة شكر ولكن ما لم أتوقعه هو أن تسخر مني بعد أن أكملت بناء برجها بدعوى أنه سيعود ويهوي من جديد! تركتهما مضربتين عن الحراك حتى يحضر عاملٌ ليساعدهما ومضيت دون أن أنبس ببنت شفة. بعد أن انتهيت من وزن حقائبي ومضيت إلى الداخل رأيتهما مرة ً أخرى، هذه المرة بلا أصوات ولا حقائب، وإنما بصحبة عامل أجلس إحداهما هي وطفليها على كرسي متحرك ومشى يدفعها بمرافقة الأخرى، حرصاً على راحتها! هكذا هي دمشق دوماً، تعطي أفضل ما لديها لتحصل على أسوأ ما لدى الآخرين. لله درك يا حبيبتي، لا يثنيك عن خلقك سوء خلق، ولا يغيرك من يغيره الزمن. أحبك.
|