|

الصورة أعلاه مأخوذة عن مكتبة المصاحف في أحد أكبر متاجر دبي وأشهرها. ممنوع إذاً على غير المسلمين لمس القرآن؟! ما هذا الذكاء الخارق؟! لو أن من وضع هذا الإعلان، أو من أفتى له به، لو أن أحدهما فقط فهم ما يقرأ من القرآن وفهم ما هو القرآن لما فعل هذا، ولو أن أحداً من آلاف القارئين الذين يمرون يومياً بهذا الإعلان وعى بحق ماهية القرآن لما كنت أنا العبد الفقير (المعتر) أول من يكتب عن هذا (على حد علمي) من يقرأ القرآن من المسلمين يلاحظ ولا شك بأن أكثر خطابه موجه لغير المسلمين، لأن أكثر آياته تتعلق بعقيدة التوحيد، وعقيدة الطاعة والولاء لله تعالى، بما في ذلك جميع قصص السالفين! حين أقرأ القرآن، أتصيد الآيات التي تعنيني مباشرة ً كمسلم تصيداً، لأن أكثر آياته كما أسلفنا تتعلق بعقيدة ٍ ما كنت مسلماً لو لم أؤمن بها، وليس هذا بغريب ٍ حين نعلم بأن في القرآن بضعاً وثمانين سورة ً مكية، مقابل بضع ٍ وعشرين سورة ً مدنية، والمعروف أن السور التي تتعلق بتنظيم حياة المسلمين هي السور المدنية، بينما تتوجه المكية في الخطاب الوعظي والترهيبي والترغيبي لغير المسلمين، دعوة ً لهم للدخول في الإسلام! ماذا نفعل إذاً إن منعنا هؤلاء من الوصول إلى تلك السور؟ أوليست مهمتنا في الحياة هي أصلاً تبني مهمة القرآن ذاتها والعمل على تحقيقها؟ وما مهمة الجزء الأكبر من القرآن الكريم؟ دعوة المسلمين الذين هم مسلمون أصلاً، أم دعوة غير المسلمين؟! عجباً والله لهذا الأمر. أعتقد جازماً بأن من تنطع لهذا العمل "الجليل" إنما استند على قوله تعالى في الآية 79 من سورة الواقعة "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون"، ولن أتعمق هنا في تفاصيل تفسير هذه الآية ولكن أقول باختصار شديد: أولاً إن القرآن أمر والمصحف أمر آخر، ثانياً إن الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ عند رب العزة في السماء، وليس المصحف الذي يباع في ذلك المتجر (حسب معظم التفاسير)، وثالثاً، إن "المس" تعبير قرآني عليه الكثير من الخلاف في التفاسير، في هذه الآية وسواها، وأكثر التفاسير قبولاً وإجتماعاً على صحتها هي تلك التي لا يعني فيها المس الحسي، رابعاً وأخيراً، "المطهرون" هنا أيضاً تعبير عليه خلاف في التفاسير، ولكن أكثرها قبولاً واجتماعاً هي أنه وصف ٌ للملائكة الذين لا يمس اللوح المحفوظ سواهم، وحتى أولئك الذين يفسرون بأنهم المطهرون من البشر، فإنهم يقولون بأن "معناه لا يمسه أحد منهم شرعا، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع"، وحكم الشرع كما هو معروف، يخص المسلمين وليس سواهم! من أراد أن يتعمق أكثر، فليرجع إلى التفاسير... أما أنا، فأرجو أن يجد أحد من أصحاب القرار في ذلك المتجر طريقاً إلى مقالي هذا، ثم يجد جرأة ً كافية ً لتبنيه وتصحيح هذا الخطأ القاتل، وإن كنت أعتقد بأن البعض سيهدرون دمه، كما سيهدرون دمي! ولله الأمر من قبل ومن بعد!!!
|