|

صحبني "دومينيك" في اليوم الأول إلى المتجر القريب، لنبتاع لنا غداء عمل. في مقابل ذلك المتجر الكبير توقفت بضع مطاعم متحركة، أو لعل كلمة "مطاعم" ليست دقيقة، فلنقل أكشاك طعام على عجلات، نعم هكذا أفضل... المهم، أخبرني دومينيك وقتها أن بإمكاني أيضاً أن أبتاع غدائي من أولئك إن كنت أفضل وجبة ساخنة على نواشف المتجر، وأشار إلى أحدهم بالتحديد –وقد عرف بأنني من اللاخنزيريين- وقال ذاك يبيع الدجاج، فارتحت نفسياً لهذا الاكتشاف، إذ أن معلومة ً مهمة ً كهذه في وقت ٍ مبكر ٍ كذاك في بلد ٍ غريب ٍ كهذا لا تقدر عند من هو مثلي بثمن! من هو مثلي؟ نعم عنيتنا نحن جميعاً، الذين نتحول خارج قواقعنا إلى مهابيل لا نميز الخمسة من الطمسة! على كل حال، وبالنسبة لي، فإنني لا أعرف ما هي الطمسة حتى حين أكون داخل قواقعي  المهم، قاومت شغفي بالدسم، وأنني حين يتعلق الأمر بـ "لحم طير ٍ" فإنني "مما يشتهون"، وقلت لصاحبي لا، ليس في المكتب – تخيلت للحظة كيف سيكون شكلي وقد أطلقت عشري لتمارس عروبتها بين ضلوع دجاجة ألمانية بريئة، لم يخطر ببالها يوماً أن تكون ضحية إرهاب عربي حتى بعد سلخها! تخيلت عيون ذاك السويسري الوديع وهي جاحظة تحاول ترجمة أكفي اللامعة دسماً إلى وصفة ٍ تفيد صناع الشوكولا هناك في داره، فلم تعجبني الصورة كثيراً لكن صورة أسياخ الدجاج ظلت عالقة ً بين أهدابي البصرية وحليماتي الذوقية، تعيد غزوي كل يوم في طريقي لابتياع نواشف أخرى، لغداء ٍ آخر! حتى كان يوم الجمعة. كنت آفلاً إلى بيتي المؤقت – ذلك الفندق الذي لا يملك من الفندقة سوى الاسم والسرير، والذي أجبرني على اقتناء مكواة أخرى، ومجفف شعر، وحتى صابون الاستحمام، ولا داعي للدخول في تفاصيل أكثر ولأنه آخر أيام الأسبوع فقد قررت أن أدلل نفسي بعشاء دسم، وكانت أسياخ الدجاج المشوي تلك أقرب الخيارات إلى المكتب كما إلى إشباع نزوة ٍ دامت خمسة ً من الأيام وأربعاً من الليالي النشاف، فكان! عند صاحبي الشوّاء توقفت، فبادرني كما هم هنا بسيل ٍ من مراطن الجرمان، لأرده كما أنا هنا بقولي (إنجليش)، ليعتذر كما هم هنا عن فقره بلغة الأنغليكان، لتبدأ بعدها لغة ابن آدم الأول بتولي الزمام! كانت في المشواة عشرات من أمهات البيض أو آبائها –لست أدري-، تخللت صفوفهم بضع أسياخ فيها كائنات غريبة، أفادني صاحبها بأنها أعضاء من ذلك الحيوان، الذي بيننا وبينه قطيعة ٌ بائنة. انتهى الأمر بابتياعي نصفاً من الدجاج وحفنة ً من مقليات بلاد الغال، قبل أن أوَل ِّ شطر موقف الباص، ذاك الذي عدت إلى امتطائه بعد طول فراق! هناك، اقتحم توماس أديسون تلافيف دماغي المتشوق لالتهام ذات العرف، ليضيء مصباحه، كيف لم أنتبه إلى هذا؟ ألم تكن دجاجتي هذه تشارك الخنزير السكن؟ بلى وربي، كان ذاك! فكيف إذاً سأسكنها أحشائي وقد تكون أمطرت من دهنه وتشبعت من دسمه؟ وما أدراني إن كان صاحبي قد اقتطعها مما هو فوق الخنازير حيث تمطرها هي أم من تحتها حيث العكس؟ يا لحظي التعس! هل تتلاشى أحلامي بالتهام الطيبات بسبب جيرتها للخبائث؟ لا وربي، لن أضحي بها ولا بيوروهاتها الخمسة، لابد من سبيل... وهل أسمح لخنزير ٍ مشوي ٍ بالنيل من حنكتي؟ فلا كنت إن كان ذاك! حسناً إذاً، هو ذا أرخميدس يطرد أديسون من تلافيفي ويصرخ "وجدتها"، ليعود أديسون بمصباحه من جديد، ويضيء ظلمة حظي بنور ٍ من الإبداع، وذاك ما كان... دخلت حجرتي وأنجزت إجراءاتي الفطرية، ثم أمسكت دجاحتي في كيسها ودخلت إلى الحمام! نعم إلى الحمام! أمسكت خرطوم الماء (الدوش) وأقحمته الكيس ثم أطلقت عنانه بسيل جارف ٍ من الماء الملتهب، سيلاً هنا، سيلاً هناك، تحت الإبط، فوق التراق، حتى أتممت لدجاجتي غـُسل الجنابة، وأصبحت مياهها عذبة ً شفافة ً لذة ً للشاربين.. نعيماً يا صديقتي، بودي أن أتمنى لك العقبى بحمام العرس ولكنني أعلم بأنك لن تدومي في هذه الحياة طويلاً، فاعذريني! وماذا بعد؟ هل سآكل دجاجتي مضرجة ً بالماء كفرعون بعد الغرق؟ لا أظن بأنها ستكون وجبة ً ممتعة! حسناً إذا، لا بد لصديقتي من إتمام فصول أناقتها، ولا مناص بعد غـُسلها من الكوافير! هو ذاك بجانب حوض الاستحمام، مجفف الشعر الذي ابتعته منذ أيام... أخرجت دجاجتي من كيسها وألقيتها عارية ً على صحن الكرتون الذي استجديته من الشوّاء، وحملتها بحنو يدي اليسرى وأطلقت عنان مجفف الشعر بالأخرى! هنا... هناك... من الغرة إلى الأطراف، وها هي ذي شهية بهية ملتهبة، كما لم تكن حتى في أكثر أحلامها مجوناً! والتهمتها عن بكرة أبيها، وجدها، وأبنائها الصيصان، برغم أنف السويسريين، والفرنسيين، والألمان!
|