|
بالنسبة لي، فإنني أعتبر نفسي كائناً جنياً، بفتح الجيم. والجنيون هم مخلوقات الجنة، أي المخلوقات التي خلقت لتعيش في الجنة، وبالنسبة لي، فإنني كإنسان، مخلوق جني، لأن الإنسان خلق أصلاً ليعيش في الجنة، وهذا ما كان أصلاً، قبل أن يخرج منها، ليعود بعد – إن شاء – إليها. ولأن الجنة هي الجنة، بما نعلم عنها وما لا نعلم عنها، فإنها غاية ما يمكن إدراكه أو لا يمكن إدراكه من المثالية والكمال، ولأنها كذلك كان لا بد لكل مخلوقاتها من أن تكون على سوية من المثالية والكمال تؤهلها للعيش فيها، وهذا ما فشل أبونا آدم فيه بعد أن تمكنت عواطفه من عقله فخالف عقله فطرته، فخرج عن أحد نواميس الكمال ففقد أهليته للعيش فيها، فأرسل إلى الأرض كإجراء مؤقت ليعيد فيها تأهيل نفسه، قال تعالى: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع (إلى حين)". بالنسبة لي، فإن الإيمان يبدأ من فهم حقيقة خلق آدم عليه السلام وما جرى بعد ذلك، فإن أنا لم أفهم تلك القصة وأتفكر بها ملياً لما تمكنت من معرفة حقيقة هذه الحياة، وهو ما يحار فيه بنو آدم ويتخبطون عبر العصور – فأنا العبد الفقير أدعي بأنني وجدته، ليس بذكاء اختصني به ربي ولا بفراسة ورثتها كابراً عن كابر، بل فقط بوعيي لحقيقة أنني كائن جني، جئت إلى هنا كإجراء مؤقت أعيد به تأهيل نفسي لأعيد لها أهليتها للعيش في العالم الأمثل: الجنة، داري. ولكن ما هو التأهيل المطلوب؟ بالنسبة لي، فإن أول من خرج من جنتي كان خازنها إبليس، وإبليس هذا نفي من جنتي بلا عودة لأنه ذاق طعم نفسه فتكبر، وفي الجنة – العالم الأمثل – لا مكان البتة للمتكبرين.. وهذا بالنسبة لي الدرس الأول والهدف الأول من هذه الحياة الأرضية المؤقتة: أن لا أذوق طعم نفسي ولا أغتر بها أبداً، مهما فعلت من عظائم ومهما حققت من أمجاد! وهل سأفعل أكثر مما فعله إبليس؟ إبليس هذا كان قائداً لثلة من الملائكة، أرسلها الله تعالى إلى الأرض لتنهي حروب الجن فيها وسفكهم الدماء، فتمكن إبليس وملائكته من ذلك وانتصر عليهم وأعاد إلى الأرض السلام، فذاق طعم نفسه فأصابه الكبر.. فهل سأبلغ أنا – مهما فعلت – عظيم ما فعل؟ فكيف لي إذاً أن أعجب بنفسي ولم يكن له ذلك على ما كان منه من عظيم الفعل وجليله؟ بالنسبة لي، كلما ذقت طعم نفسي عرفت بأنني بعدت عن جنتي أكثر. بالنسبة لي، فإن ثاني من أخرج من الجنة كان أسمى مخلوقاتها، آدم الإنسان، قال تعالى "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، وآدم خرج منها بذنب يخفى على أكثرنا، والباقون لا يكادون يقيمون له وزناً، إلا من رحم ربي.. ربي الذي أسكن آدم وزوجه الجنة ووهبهما كل ما فيها، ومنعهما عن شجرة واحدة فقط، لماذا؟ لا يهم، وهذا هو بيت القصيد: لم يكن على آدم عليه السلام سوى الطاعة، الطاعة دون نقاش ولا أخذ ورد، فعند أمر الله عز وجل تقف اجتهادات مخلوقاته، ويلزم العقل حدوده، ويطيع. فإن لم يفعل فقد أهليته للعيش في العالم الأمثل، الجنة. تخيل كيف للجنة أن تكون جنة وفيها كل متكبر ومغرور! أو تخيل كيف للجنة أن تكون جنة وفيها كل عاق، يطيع عقله على أن يطيع خالقه وخالق عقله ذاك من طين! بالنسبة لي، فإن الجنة – داري – لا يمكن أن يسكنها متكبر ولا غير مطيع. وبالنسبة لي فأنا هنا "إلى حين" أتمكن من إعادة تأهيل نفسي لأعود إلى بيتي الذي خلقت لأعيش فيه، لا يمنعني عنه سوى من أخبرني خالقي له بأنه لي عدو، "إنما الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا"، فأحذره ولا آمن له فيخدعني، كما خدع من قبل أبي آدم إذ أقسم له بالله أنه من الصادقين، وأخذت الطيبة أبي آدم فلم يصدق أن أحداً يمكن أن يحلف بالله كذباً فصدقه، فكان ما كان.. بالنسبة لي، لن أصدق عدوي مهما أغلظ في الأيمان! لن أصدقه مهما حاول إقناعي بأن الطاعة تخلف، وأن العقل الطيني – في مواجهة خالقه – تقدم، ولن أصدقه كذلك إن هو أتاني بلباس التقوى ليقنعني بخلاف ذلك، بأن العقل طين! بالنسبة لي، فإن عقلي زادي في دنياي هذه، وفي مواجهة خالقه طين. بيتي في انتظاري، يناديني هلم تأهل وعد إلي، ولا تغمض عينيك أبداً عن ذاك الذي أقسم "لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم"، فمن لم ير أياً من تلك الجهات كان أعمى، وجنتي – داري – ليس فيها عميان. أراكم – بإذن الله – هناك.
|