|
يبدو بأنني أعاني هذه الأيام من حالة "إسهال فكري" تجعلني أضيف الموضوع هنا تلو الموضوع، وما زال في جعبتي أكثر! الغريب في الأمر أن جولة في أصقاع عالم التدوين تعطيك الانطباع بأن الجو السائد حالياً هو العكس تماماً، فالكثير من المدونين يتكلمون هذه الأيام عن نضب في الأفكار وشح في الأقوال، حتى أن بعضهم بدأ التدوين بغير موضوع يتساءل فيه "لماذا لا أجد ما أكتب؟" أوليس هذا طريفاً؟ أما عني فلست أدري ما هذه الرياح التي تعصف بي فتجعل الأفكار تتزاحم في خلدي كمشهد شوارع دبي ساعة الذروة، أتراها حمى الشوارع قد انتقلت إلى تلافيف مخي ومساربه أم أن ما فر من أفكار المدونين المتشاكين حولي وجد أمامه رأساً فارغاً فلجأ إليه هرباً من الازدحام؟ هي إذا حمى الازدحام ذاتها! رباه أين المفر؟! من وسط حمى الازدحام انتقيت لك هذا الإعلان الإذاعي، اسمعه جيداً ثم تابع قراءتي...
هل لاحظت الخطأ؟ إنه حرف واحد، حرف الألف، فبدل أن تقول "أما" قالت "أم"، وقد يكون هذا خطأ عرضياً غير ذي قيمة ولكن أن يعاد هذا الإعلان كل يوم ألف مرة (للأمانة العلمية: ربما أقل) دون أن يلتفت إليه أي من كوادر الإذاعة ولا الشركة المعلنة ولا المنفذة للإعلان فهذا لعمري خطب جلل!! خصوصاً حين تتكرر الأخطاء المشابهة بطريقة توحي بوجود مشكلة حقيقية عند العرب مع اللغة العربية، فذاك إعلان آخر عن معرض فني، يخبرنا المعلن فيه أن المعرض يستضيف لوحات لأبرز الفنانين من "أشهر" صالات العرض، وكلمة "أشهر" هنا تبدو سليمة ولكن صاحبنا كان يلفظها بضم الهاء، ليحولها من تفضيل للشهرة إلى جمع للشهور! هكذا بكل بساطة وكذلك دون أن يلتفت إلى ذلك أحد من كوادر الإذاعة ذاتها ولا الشركة منظمة المعرض ولا الشركة المنفذة للإعلان ولا حتى أولئك الفنانون الأشهر، بفتح الهاء!
اللغة العربية تعاني الكثير في هذا البلد الذي يتكلم قريباً من مائة لغة، ولذلك فقد انبرى خطيب الجمعة منذ فترة للتصدي لهذا الخلل فراح يحث الحاضرين على التمسك باللغة العربية وإتقانها وعدم الانجراف بسيول اللغات الأخرى وعلى رأسها الانكليزية التي أصبحت تنازع لغتنا الأم بين الكلمة والكلمة. أخرج من المسجد لتطالعني في الشارع إعلانات متراصفة لمحطة "دبي واحد" أو بالأصح “Dubai One” تبشرني بنشرة أخبار جديدة، فتقول: "أخبارنا المحلية، بلغة العالم"، والمقصود هنا طبعاً اللغة الانكليزية! حسناً، المحطة تلك ناطقة بالانكليزية (على عيني وراسي) ولكن لم نعرض فيها إذاً "أخبارنا المحلية"؟ سأفترض بأن هذا نوع من التميز الإعلامي، لابأس، ولكن تبقى معضلة صغيرة تتمحور حول الترويج للغة الانكليزية على أنها "لغة العالم"، والمعضلة هي أن خطبة الجمعة المذكورة لم تكن من اجتهادات خطيب ذلك المسجد بل كانت الخطبة النموذجية الموضوعة من قبل دائرة الأوقاف لجميع المساجد، أي أنها تندرج في خانة الإعلام الحكومي. في المقابل، فإن المحطة المروجة للغة العالم هي أيضاً محطة حكومية، أو على أسوأ الاعتبارات شبه حكومية، وفي الحالتين فهي محشورة أيضاً في خانة الإعلام الحكومي ذاتها، فما لهذا الإعلام الحكومي لا يكاد يهتدي؟! مجلة أجنبية "أخرى" تصدر في دبي وقعت في يدي أمس، اسمها “Society Dubai” أي مجتمع دبي، فتحتها فلم ألبث أن فتحت فاهي بانفراج مماثل! هل هذا هو مجتمع دبي؟ تباً أين أعيش أنا إذاً؟ أقسم إن تذكرتي في المرة الأخيرة كانت تحمل اسم دبي في خانة الوجهة النهائية، فما الذي جرى؟ حسناً حسناً، ربما هي المجتمعات الأخرى في دبي كذلك ومجتمعي أنا انعزالي مختلف، سأقبل بهذا لا بأس فهو جزء من التعايش والتمازج والتكامل والائتلاف بين الثقافات والشعوب، ولكن، أين الإعلام الحكومي من هذا الإعلام المقيم؟ أحد التحقيقات الصاخبة في تلك المجلة كان يتحدث عن حفلة "روجر ووترز" نجم فريق "بينك فلويد" الشهير (لا تقلقوا، أنا أيضاً لم أكن أعرفه من قبل!) والتي أقيمت مؤخراً هنا في دبي، وفي ذلك التحقيق مقطع تصدره عنوان بارز يقدمه على أنه “Rock God”، وهذا بالعربية يعني "إله موسيقى الروك"!!! إنه لأمر مضحك حقاً وإن شر البلية لما يضحك، والمضحك في الأمر أن ضجة إعلامية كبرى كان قد أقامها الإعلام الحكومي "العربي" المكتوب والمتلفز في العام الماضي، يفضح فيها مؤامرةً شرسة تعرض لها المسلمون من خلال سجادة وجدت في أحد المساجد، وعليها رسم يمكن لمن شرب الخمر فسكر فتضاربت عيناه، يمكن له أن يرى في ذلك الرسم الزخرفي ما يمكن أن يشبه القطة والعياذ بالله!!! وبحمد الله فقد أثمرت تلك الحملة خيراً وقام المعنيون – إثر استضافتهم على الفضائيات – بالتصدي لتلك المحاولات الدنيئة وصد كيد المغرضين عن إذلال أمة الإسلام!!! يبدو أنني أنا الذي سكرت، فبدأت بالهذيان! هل قلت لكم من قبل إنني أعاني اليوم من الإسهال؟!
|