|
- بابا، متى عيد ميلادي؟! - بابا... ومن قال إن ميلادك عيد؟! أسقط في يد ولدي الأوسط حين تلقى مني هذا الجواب، ولكنه أدرك فيما بعد بأنه لم يكن سوى البداية، حين بدأت أقنعه وشقيقته الأكبر بأن احتفال المرء بيوم ميلاده، هو في واقع الأمر، عقوق للوالدين!!! هو ذات الفاه المشدوه الذي يعلو وجه من يقرؤني الآن كان يعلو وجوه عائلتي إذ ذاك وهم يتفكرون فيما قلت ويناقشون، وهو ذات الصمت الذي أعقب تخليهم عن النقاش على مضض، فالنقاش معي - كما يتفق معظم خاسريه التقليديين - مضيعة للوقت، أما أنا فأرى بأن الحجة الأقرب للحق هي التي تبقى في النهاية ولكنني على هذا أحاول دوماً تهذيب نفسي وتقريض وسائلي لأكون أكثر ليونة على من يود منازلتي فكرياً، غير أني لا أظن بأنني أفلح في هذا كثيراً إذ أنني ما زلت أعاني ممن ما زال يعاني مما ما زال يعتبره لياً مني للألفاظ والمعاني، وربما كان هذا سبباً عتيداً من الأسباب العديدة التي دعتني للجوء إلى عتادي وإطلاق هذه المدونة في فضاء الحرية المجيدة، حيث لا أحتاج لانتظار من يطاوعه جَلَدُه لسماعي أو يحكه جِلْدُه لإقناعي، فكان مولدي الافتراضي هنا في يوم مولدي الفيزيائي هناك في مثل هذا اليوم من عام مضى، كما عام من عمري مضى! عامٌ مضى إذاً، أرى بذيله أني نشرت نيّفاً وخمسين موضوعاً، وذاك يعدل موضوعاً كل أسبوع، أوما زال البعض يقول إني قليل الكلام؟! أو بعد كل هذه الثرثرة كلام؟! لطالما عجبت من ثرثرة الصحافيين الذين يحررون أعمدة أسبوعية ولطالما عجبت من أين يأتون بالكلام مرة كل سبعة أيام، ناهيك عن أولئك اليوميين الذين لا أفكر أصلاً في حالهم ولا حال أقلامهم، فهو أمر لا أظن أني سأفقهه! ولأن من عاب ابتلي، فإنني أرى أني ابتليت بما أعجب له وأستكثره، فها أنا ذا قد أصبحت من الثرثارين، الكتاب الأسبوعيين، ولعلي سأقلع إلى الأبد عن لوم اليوميين عساي أدرأ عن نفسي خطر بلاء جديد، أوليس بلاء المياومة أنكى من بلاء المسابعة وأدهى وأمر؟! على أني لست أدري كيف يمكنني أن أكبح جماح غيظي عن هؤلاء وهؤلاء فلا أبتلى، فلا هؤلاء ولا أولئك عادوا مثل أولاء ولا أولئك، الكتاب الفاعلين المتفاعلين الذين كنا نقرأ أو نسمع عنهم أو منهم ذات قرن، فلا ترى كتاب اليوم سوى مرددين مكررين مترجمين، لا يضيفون على ما يصلهم ولا يكادون يتفاعلون، وإذا يشاكون فلا يكادون ينتقشون، فترى كل يوم وتقرأ أخباراً تمر بهم مرور الكرام ويمرون بها مرور النيام، لينشروها كما نسخوها وثَّم لصقوها من أفواه الفرنجة وأقلام العونجة! فهل يعقل - مثلاً، والأمثلة آلاف مؤلفة - أن نقرأ هنا وهناك وفي جنبات إعلامنا والآفاق عن جندي أميركي يعترف بالتبول على جثة عراقي هكذا وبكل بساطة وكأننا نتحدث عن هرة ضائعة أو فراشة عالقة في أخمص عريش رُطب؟! لا بل إن هذا قد يثير تفاعل بعض رعاة الحيوان وحماة حقوقه "المتحضرين"، بينما لا يثير عمل دنيء كذاك حفيظة حتى من يسرده - ولا أقول يكتبه، ربما لأن الفاعل أمريكي؟! ربما، فهؤلاء قد رفع عنهم التكليف بيننا بأمر أصحاب الأمر المؤتمرين بأمر سيد الأمر الأبله القابع في البيت الذي ما زال العلماء مختلفين في لون بياضه، ذلك التافه الذي يريد أن يقنع العالم بأن الحكومة السورية لا تزال تشكل تهديدا استثنائيا للأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة، فلا يجد من يقتنع سوانا، فنعيد نشر أمره بتمديد العقوبات الأمريكية على سوريا هكذا بكل بساطة وحيادية وأمانة علمية!!! عقوبات على سوريا أيها الأحمق؟! لست أدري إن كان أحد من ملايين سوريا العشرين قد نقصته رشفة شاي واحدة منذ أن فرضت عقوبات ذلك المتخلف عام 2004، ولست أدري إن كان أحد منهم يعلم أصلاً بتلك العقويات عدا عن عدم تأثره بها، ولم وبم قد يشعر السوريون بالله عليكم وهم يحظون بحكومة تشكل تهديداً استثنائياً لاقتصاد الولايات المتحدة من خلال اقتصاد لا تكاد ميزانيته المجمعة توازي ميزانية فرد أمريكي واحد من أصدقاء "أبو جريج الأجدب"؟! وكيف لا نهدد أمن الولايات المتحدة ونحن نستخدم أراضينا لشن هجمات على القوات الأمريكية ضد الشعب العراقي كما يقول أحد مسؤوليهم في سياق الخبر ذاته؟! هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا؟! أم هل أتى عليه حين كان فيه شيئاً مثل هؤلاء القابعين ما وراء البحار متخلفاً سفيهاً تافهاً مذموماً مدحورا؟! والسفيه كذلك من عق والديه فاحتفل بيوم ميلاده، بيوم ٍ كانت أمه فيه تكابد آلاماً لا تكاد تحملها الجبال لتضعه كرهاً بعد أن حملته مئتين من الأيام ونيفاً كرهاً، يوم كان أبوه كذلك يكابد من الهموم ما تنوء به العصبة أولو القوة، أوليس احتفال المرء بيوم ميلاده إذ ذاك عقوقاً لوالديه ونكراناً لهما وتشفياً بآلامهما؟! وقبل أن تثور ثائرة من قد ثارت ثائرته أوضح بأنني لست هنا منتقداً الأهل إن هم احتفلوا بموالد أولادهم، فقدوم المولود بالنسبة لأبيه وأمه يوم عيد ولا شك رغم كل الألم والهم ولهم أن يحتفلوا به كما يشاؤون، وإنما يصيب كلامي فقط من يحتفل بيوم مولده هو ويعتبره لنفسه عيداً ويدعو الناس للاحتفال به... بألم أمه وهم أبيه!!! ولأنني أبو هذه المدونة وأمها وحاملها ومرضعها أقول لها: كل عام وأنت يا ضناي بألف خير :-) وها قد انتهى الجرد سريعاً، فارفع الغلق يا ولد.
|