تم تعديل هذا المقال في نهايته لتصويب بعض الأخطاء الحسابية
بصرف النظر عما يمكن أن يكون رأيك بها أو تقييمك لها، فإن المكانة التي تتبوؤها نانسي عجرم في تاريخ هذه الأمة اليوم ليست محل نقاش، سواء أأعجبك هذا أم لم يعجبك، ولعلها اليوم تملك تأثيراً في عقول الناس أكبر من تأثير أي عالم ٍ أو باحث ٍ أو كاتب ٍ أو قائد ٍ في هذه الأوطان من الشام لبغدان، ومن نجد ٍ إلى يمن ٍ إلى مصرَ فتطوان!
وإن كانت نانسي قد "فتلت" عقول الرجال والنساء منذ سنوات ٍ عديدة ٍ وتابعت لتتغلغل في عقول الجيل التالي من الشباب حتى استخدمتها شركة مجوهرات داماس العريقة في الترويج لمنتجاتها من خلال تنصيبها سفيرة الشباب لمجلس الذهب العالمي، فإنها ولا شك استحوذت كذلك على نصيب ٍ لا يستهان به من اهتمام الأطفال وخصوصاً البنات منهم، نصيب ٍ ما لبث أن غدا قريباً من احتكار ٍ حصري ٍ بعد طرح ألبومها الأخير شخبط شخابيط والذي استهدفهم بشكل ٍ مباشر حتى أصبحت اليوم -ربما- سفيرة الأطفال والشباب والشيب والشياب ليس إلى مجلس الذهب وحسب بل إلى مجالس الشعب ومجالس والوزراء وربما حتى مجالس الذكر والدعاء!
وأعود -قبل متابعتي- لتأكيد حقيقة ٍ جوهرية ٍ لا أحبها أن تغيب عنك كيلا تراودك رغبة ٌ قمعية ٌ في معارضتي والإقلاع عن متابعتي، مفادها أن ما قد أسلفتـُه من قول ٍ ما هو إلا حقيقة ٌ واقعة ٌ شئت ُ أوشئت َ أم أبيت ُ أو أبيت! وانطلاقاً من هذا الواقع، فقد كان لما فعلـَته نانسي قبل أيام ٍ صدى ً مدوياً لديَّ قد يستسخفه البعض أو يستسخفني ولكنني لا أتحرج من التصريح به، ليس لفرط إعجابي بنانسي مثلاً (وأغانيها بالمناسبة تعجبني) وإنما لفرط تأثيرها في الناس وخصوصاً الأطفال منهم واليافعين، فهؤلاء كما أعلم يا سيدي وتعلم يتميزون بشدة التأثر بمن يعجبونهم وسهولة الانقياد وراءهم، وبأن كل من يعجبونهم -علماء كانوا أو عوالم- يمثلون لهم نماذج تحتذى وقدوات ٍ تـُتـَّبع، وحين تكون القدوة مغنية ً مثل نانسي يصبح الأمر خطيراً جداً، لأن الفكر واللهو متضادان قلـَّما يجتمعان، فإن تمكـَّنت من العقول رموز اللهو ولـَّت رموز الفكر، وكذلك هو العكس صحيح.
نانسي، فوجئت -كما تقول- بدخول صحافية ٍ "إسرائيلية" إلى مؤتمرها الصحافي الذي أقامته في "جرش" منذ أيام وسؤالها عن مشاريعها المتعلقة بجمهورها "الإسرائيلي"، فما كان منها سوى الامتناع -بلا تردد- عن إجابتها والإيعاز لرجال الأمن بإخراجها من القاعة! نعم، نانسي عجرم طردت الصحافية "الإسرائيلية" من مؤتمرها في زمن ٍ يعجز فيه كبار قادة هذه الأمة عن أي فعل ٍ مماثل، ولأن لها في عقول ونفوس الأطفال والشباب ما أسلفنا وصفه فقد كان لفعلتها هذه قيمة ٌ لا ينبغي لأحد ٍ إنكارها مهما كان رأيه بها -كما أسلفت- أو تقييمه لها. نانسي بفعلها هذا استحقت وبكل جدارة ٍ أن نصفق لها ونغني: شاطر.. شاطر!
أغنية نانسي هذه أحببت أن أهديها إلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وإن كان هذا ضرباً من الصفاقة وقلة الحياء مع رجل ٍ في هذا الحجم فإن عذري أنني لا أملك أن أهديه أكثر من ذلك ولا أقل، فليعذرني وليعتبرني عاشقاً لا يملك لمعشوقه سوى كلام الحب وأغاني الغرام! "شاطر.. شاطر" كانت أول ما اقتحم مخيلة لساني حين أراد التفاعل مع ما سمعته أذناي من وعيد "نصر الله" لجبناء بني إسرائيل بمفاجأة ٍ من شأنها أن تغير وجه التاريخ، وهؤلاء يعلمون علم اليقين بأن السيد إن قال فعل، ويعلمون يقيناً بأنه إنما يعدهم بوعد ربه وربهم جل وعلى حين يرسل جنده ليسوؤوا وجوههم "ويتبروا ما علوا تتبيرا". ولعلهم يؤمنون بهذا الوعد أكثر من أكثر "المثقفين" العرب اليوم، أولئك المتنكرين لما يحملونه من "أسفار" قرآنية، المتنطعين لثقافة السلام وحمائمه الوديعة مع من لا يعرفون من الوداعة سوى ما تودعه حضارة السلام الغربية في خزائنهم من أسلحة القتل والدمار! بنو إسرائيل هؤلاء يوقنون ولا شك بأنه "إذا جاء نصر الله" في العدوان الأخير فلا بد بأن العدوان القادم سيحمل لهم "وعد الآخرة"، ويوقنون ولا شك بأن هذا بالضبط هو المفاجأة التي تنتظرهم.
وما تودعه حضارة السلام الغربية في خزائنهم من أدوات الإرهاب لا يخفى على أحد، ولكنه ما زال خفياً ربما وعصياً على الفهم على حمائم السلام العربية، ولا أفهم فعلاً لم لا يفهم هؤلاء ما يقرؤون ويسمعون، أويعقل أن قدراتهم السياسية والأدبية محدودة ٌ لدرجة أن يعجزوا عن فهم أخبار كهذه؟ من الذي سماهم "المثقفين" إذاً؟ حسناً سأتجاوز ضعفهم في القراءة اليوم وأجربهم في الحساب، عسى أن أصل معهم لنتيجة ٍ ما، وإن كنت أشك في أنهم يسعون -أصلاً- للوصول لأي نتيجة! ولنبدأ درسنا الأول في الحساب بتقدير عدد هؤلاء المسالمين الداعين إلى التعايش والتطبيع وما إلى ذلك من مصطلحات ٍ وديعة، كم يبلغون يا ترى منا؟ شخصياً، أرى أنهم لا يتجاوزون في حدهم الأقصى ما نسبته 10 بالمائة، فمن بين كل عشرة أشخاص حولك يمكنك بالكاد أن تجد واحداً من هؤلاء. بناءاً على ذلك، وباعتبار أن عدد العرب يقدر بما يزيد قليلاً عن 330 مليون "معتـَّر"، فإن استئناء شريحة المطبِّعين هؤلاء تبقينا في حدود ثلاثمائة مليون عربي، هل يذكركم هذا الرقم بشيء محدد؟!
ثلاثمائة مليون هو في الحساب من قواسم الرقم ثلاثين مليار، وثلاثون مليار -أيها السادة- هو المبلغ الذي وهبه الأمريكان بالأمس للدولة المسالمة "إسرائيل" كمساعدات ٍ عسكرية على مدى عشر سنوات، وهذه الهبات ليست جديدة ً بالطبع بل ما زالت مستمرة ً بنفس المستوى تقريباً منذ العام 1949، وهي جزء ٌ واحد ٌ فقط من سلة ٍ أوسع من المساعدات تشمل مساعدات ٍ اقتصادية ٍ وهبات ٍ وضمانات قروض ٍ وما إلى ذلك، ثلاثون ملياراً هي فقط الجزء العسكري، أي المخصص "للدفاع" عن ذلك الكيان السرطاني. وبما أنه من المسلم به عسكرياً بأن أفضل وسيلة ٍ للدفاع هي الهجوم، وبما أن هذه الهبات تمنح -هذه المرة- من نظام المحافظين الجدد الذي يتخذ من "الحرب الاستباقية" منهجاً له وديدناً، فإن هذا يعني -ولطالما كان يعني- بأن كل هذه الأموال ستصرف على القضاء على أعداء "إسرائيل"، أي أنت، وأنا، والسبعة الباقين من تسعتك التي استثنيت المطبِّع من عـَشرها!
إن ثلاثين ملياراً من الدولارات في عشر سنوات تعني ببساطة ثلاثة مليارات ٍ كل سنة ستصرف على قتل ثلاثمائة مليون عربي، وبذلك تكون حصة كل عربي مبلغاً وقدره 100 مليون دولار كل سنة وباستمرار لمدة عشر سنوات، وهذا يعادل أكثر بقليل ٍ من ثمانية ملايين دولار في الشهر (تخيل أن يكون هذا راتبك!)، أي 277 ألف دولار في اليوم (مع احتساب العطل الأسبوعية أياماً مدفوعة)، أي 11574 دولار في الساعة (علماً بأن الكثير من شباب العرب يحلم بالهجرة لأمريكا ليعمل مقابل 5 دولارات في الساعة)، أي باختصار شديد 193 دولار في الدقيقة أو 3 دولارات و20 سنت في الثانية الواحدة ستصرف على كل فرد عربي -حرفياً كل فرد عربي- اعتباراً من هذه اللحظة وباستمرار غير منقطع لمدة 10 سنوات، في سبيل القضاء عليه!
وللمعلومات العامة فإن ما يصرف لقتلك كل ثانية يعادل ثمن دزينة رصاصات M16 تقريباً وذلك بسعر المفرق، فاحسب كم رصاصة ً قد خصصت لقتلك خلال 10 سنوات -بسعر الجملة- من قبل أمة ٍ ما زلنا نهرول وراءها نطلب رضاها لننهل من عطاء "حضارتها" ونستجدي معارفها وعلومها في السياسة الاقتصاد والإدارة والتخطيط وغير هذا وغير ذاك.
إن لهذه الحسابات عبراً لا تنتهي كما الدماء المخصصة لإهراقها لا تنتهي، أعبر عن بعضها ها هنا من خلال بضعة رسائل أوجهها لشرائح مختلفة علها تـُبين أو تـُعين..
رسالتي الأولى أوجهها لكل من أصابه الإحباط واليأس من واقع هذه الأمة ومن كل ما هو عربي -وكم هم اليوم كثر ٌ حتى أكاد أجدني بينهم! لهؤلاء أقول: هدئوا من روعكم يا سادتي ولا تظلموا أنفسكم وتظلموا إخوانكم، وأعلموني إن كنت جاهلاً.. هل من أمة ٍ عبر التاريخ صـُرِف على إبادتها كما صرف ويصرف على إبادة هذه الأمة منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان؟! أخبروني بالله عليكم -إن وجدتم- كم بقيت شعوبها صامدة ً وكم صمدت وما زالت شعوب هذه الأمة؟! أوليس من تميـّز هذه الأمة على سائر الأمم أنها وبعد كل هذا الذي لم تشهده أمة ٌ في تاريخ البشرية من قبل، ما زال فيها رجال ٌ صامدون صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟! أولا يكفينا فخراً بأننا وبعد كل هذا الذي لم يمر على أي أمة ٍ عبر تاريخ البشرية -بحدود علمي- ما زال فينا أبطالٌ لا أريد أن أسمي بعضهم كي لا أغفل عن بعض؟! أولا يكفينا عزة ً أننا ما زال فينا أكثرية ٌ ساحقة ٌ لم تجرفها الآفة الغربية فيمن جرفت رغم كل ما فعلت وتفعل وأنفقت وتنفق في سبيل ذلك، مثلك يا من تقرؤني ومثل رفاقي الذين تقرؤهم هنا أو انطلاقاً من هنا، ومثلي؟!
رسالتي الثانية أوجهها للوديعين المخدوعين بالسلام وقصص الحب والغرام، الذين يقفزون في وجهي كلما طرق كوز ٌ جرة ً لينهروني عن الإيمان بما يسمونه "نظرية المؤامرة"، لهؤلاء أقول: افتحوا أعينكم جيداً على الحسابات البسيطة أعلاه، وإن لم تقبلوها كما هي فليس أرخص من الآلات الحاسبة ولا أسهل من استخدامها، أجروا حساباتكم الخاصة كما شئتم وأخبروني بعد، هل ما زلتم تؤمنون بأن هذه المؤامرة "نظرية"؟! وماذا تنتظرون بعد لتقتنعوا بالإقلاع عن ملاحقة السراب؟! أولا يكفي أن السراب نفسه لا ينكر أنه يخدعكم ويسوقكم إلى حتفكم وينفق في سبيل ذلك ما ستحسبونه بأنفسكم؟! أوما آن الأوان لتفيقوا من غفلتكم وتقلعوا عن تنويم الآخرين من حولكم؟! برغم أنني أفضل قهوة هنتز على قهوة نسكافيه، إلا أني لا أملك سوى أن أقول لكل ٍ فرد ٍ منكم: صـَح صـِح!
أما رسالتي الأخيرة فهي لبني إسرائيل، أولئك المارين بين الكلمات العابرة... لأولئك أقول: باعتباركم خمساً من الملايين ليس إلا، فإن حسبة ً أخرى تصل بنا إلى أنكم لو أعدتم الحقوق إلى أصحابها منذ العام 1948 وحتى اليوم، والتزمتم بالعيش بسلام ٍ كمواطنين مخلصين في ظل دولة فلسطين -كما هو الوضع الطبيعي-، لكانت حصة كل فرد منكم من تلك المساعدات "العسكرية" إن هي صرفت على رفاهيتكم راتباً شهرياً وقدره بالضبط 50 مليون دولار! ليس هذا جائزة ً ربما يربحها أحدكم في "اللوتو" يوماً ما وإنما راتب ٌ شهري ٌ ثابت ٌ سيستمر لمدة 10 سنوات ولكل فرد ٍ منكم، حرفياً كل فرد! فهل ما زلتم تبحثون عن حلول؟!
وأنهي ما بدأته بخاتمة ٍ لكل عربي: في غضون قراءتك لمقالي هذا صـُرف على مشروع قتلك قريباً من 1500 دولار، ولم يكن ليفيدك أن تملك سرعة ً أعلى في القراءة فالعداد يعمل دون انقطاع، حتى وأنت نائم!
وخاتمة ٍ لكل "إسرائيلي": لو قبلت بالحل الذي اقترحته عليك أخيراً لكنت َ الآن وفي غضون قراءتك لمقالي هذا قد كسبت قريباً من 9200 دولار، ولم يكن ليزيدك أن تبطئ في قراءته فالعداد يعمل دون انقطاع، حتى وأنت نائم!
وخاتمة لنانسي عجرم: شكراً يا سيدتي، لكونك من التسعة.
تصويب استراتيجي خطير...
بناءاً على ما ورد من تعليقات تتعلق بوجود خطأ في الحساب، ورغم أن تلك التعليقات كانت مبنية ً أيضاً على خطأ آخر في الحساب، وبما أنه قد اتضح فعلاً وجود خطأ في الحساب، فقد كان لا بد لي -للأمانة العلمية والتاريخية والمنهجية والإعلامية والميتافيزيقية- من أن أضيف هذا التصويب.
إن نصيب كل عربي -بعد تصويب الحساب- من المساعدات المذكورة يبلغ فقط 10 دولار في السنة، لمدة عشر سنوات، ورغم أن هذا المبلغ يعتبر تافهاً بمقاييس الحسبة الأولى (الخاطئة) فإنه مع ذلك يعادل ثمن ثلاث دزينات من الرصاص تقريباً، وبسعر المفرق كما أسلفنا، وكل سنة.
في المقابل، فإن نصيب كل يهودي -بعد تصويب الحساب- من المساعدات المذكورة -إن هي صرفت على رفاهيته بدل أن تصرف على قتلنا- يبلغ فقط ستمائة دولار في السنة، أي 50 دولار في الشهر لا غير، ولمدة عشر سنوات.
وبناءاً على التصويبات الحسابية السابقة، أعود لأوجه رسائلي بعد التعديل: فرسالتي الأولى للمحبطين اليائسين من واقع الأمة، ورسالتي الثانية لحمائم السلام العربية، أقول للفريقين كليهما: أعيدوا قراءة رسالتي ّ لكما قبل التصويب، فكيفما أجريتم الحساب وصلتم إلى النتائج ذاتها!
أما رسالتي الثالثة لبني إسرائيل، فهي التي لا مناص -بعد الحسبة الجديدة- من تعديلها بما يتلاءم مع تفاهة المبالغ المقدمة لأصحابها، لهؤلاء أقول: أترون؟ أي صيغة ٍ قد نتوهم بأنها يمكن أن تشكل حلاً يساعدنا على تقبلكم بيننا والتعايش معكم على أرضنا لا بد أن يتضح في النهاية بأنها لم تكن سوى: حسابات خاطئة!
والمعذرة أرجو من الجميع.
|