|
 صديق آمنة كان من غير المتوقع من "كنان" الذي لم يكمل عامه الثاني بعد أن يتعرف على صورة الفنان "سليم كلاس" لدى ظهورها في شارة مسلسل عابرة، لمدة جزء من الثانية، فيعلق بالقول "هالة باب"! و"هالة باب" هذه هي الاسم الحركي لمسلسل "باب الحارة" وذلك بلهجة "كنان" حديث العهد بعهد الكلام، وهو لحنٌ منحولٌ أخـَذ من عصر العولمة أساساً فأسبق المضاف بالمضاف إليه ليضفي على الجملة العربية صبغة ً أنغليكانية تجعلها – ربما – أكثر قبولاً في الآفاق. يذكرني "كنان" بلحنه هذا بالفنانة الشهيرة مالئة الدنيا وشاغلة الناس "زملكا صح النوم"، وربما التبس الأمر على بعض من لا يفقه في الاستشراق الكثير فأوضح لأولاء هنا أن "زملكا صح النوم" هو  عشر ملايين.. مين بيزاود؟ التعريب الرسمي لاسم الفنانة "باريس هيلتون"، وعذراً من الجاهلين فنياً إذ ليس المجال هنا سانحاً للتعريف بها فتعريف المعرّف أشبه بإضافة "ال" التعريف إلى المضاف ليجعل "باب الحارة" شيئاً مثل "الباب الحارة" لا معنى له، علماً بأنني ما زلت أقابل من ذوي الثقافة الفنية الضحلة ما لم أكن أتوقعه، وكان آخرهم "ماهر" الكاتب والناقد المخضرم، فحين أخبرت "ماهر" بمهر "دومينيك حوراني" البالغ عشر ملايين من دولارات العم سام سألني ببراءة الأزواج: "ومن هي دومينيك حوراني؟" أسقط للتو في يدي فالتجأت إلى "فدوى" الكاتبة والمصممة الفنانة ساخراً من "ماهر" لاستفحال جهله واضمحلال ثقافته فقالت لي هي الأخرى: "فعلاً، من هي دومينيك حوراني؟"
لم تمض لحظات على واقعة "هالة باب" المذكورة حتى استطرد "كنان" معلقاً على ما يراه في التلفاز قائلاً: "آمنة.. آمنة.. آمنة.."،  آمنة؟؟؟ وآمنة هذه هي صديقته التي يقابلها كل بضعة أيام حين تأتي للقيام بتنظيف البيت وما إلى ذلك، وكان آخر ما أتوقعه أن تظهر على شاشة MBC4 حيث كانت جولة جهاز التحكم قد استقرت هنيهات. استرعى الخطب انتباهي فأرجعت البصر فإذا هي "أوبرا وينفري" في مقابلة ٍ مع الرئيس الأمريكي السابق "أبو فضيحة حركات"، ولمن لا يعرفه فهذا هو التعريب الرسمي لاسم الرئيس "ويليام جيفرسون كلينتون" – المهم، لم يكن يربط في الحقيقة بين "آمنة" و "أوبرا" سوى أمرين اثنين لا ثالث لهما: كونهما كلتيهما من بنات آدم، واشتراكهما بذات لون البشرة. قلت لولدي: يا بني، "أوبرا" هذه ليست "آمنة"، بل بإمكانها شراء كل "الصومال" التي أتت منها "آمنة" من أقصاها لأقصاها!
 الأرز الأوتوماتيكي "كنان" هذا لم يأت بذكائه الفطري من فراغ، فهو العضو الأخير من سلالة العباقرة المتحدرة من هذه الأسرة المتواضعة، وقد سبقه في العبقرية شقيقه الأكبر بسبع ٍ ظراف، القارئ المثقف "يمان" الذي أصر منذ يومين على أن الشجرة التي يحملها علم لبنان هي من فصيلة "الأرز الأوتوماتيكي"! ولأن "الغلطة" في شأن لبنان من أي سوري ٍ "كفرة" فقد أوليت الأمر اهتماماً خاصاً لأكتشف بعد استجواب المتهم بأنه استقى معلوماته المزعومة تلك من أكياس الخبز التي طـُبع عليها اسم المنتـِج "مخبز الأرز الأوتوماتيكي"! ولأن الطابع لم يضم الياء الأخيرة ليدل على أنها صفة للمبتدأ فقد اختلط الأمر على القارئ الفطن "يمان" فافترض بأن الياء مكسورةٌ صفة ً للمضاف إليه فكان ما كان. أخبرني بالله عليك، كيف نفسر هذا اللبس للجنة التحقيق الدولية؟ وكيف "لميليس" أو "براميرتز" أو أي "دولي" آخر أن يفهم "ضماتنا" من "كسراتنا" من "فتحاتنا"؟ إنه لعمري أمرٌ محال!
كان "يمان" بذلك يتنطع للإجابة على سؤال كان قد طرح على شقيقته الكبرى "أمان" في المسابقة التي شاركت بها لصالح أحد برامج الأطفال في محطة MBC3، والتي كان لها أثرٌ لا يشق له غبار في كشط غبار الهم عن "أمان"، ذاك الذي كان قد اعتلاها بتأثير خيبة الأمل التي أصيبت بها بتأثير عيد الفطر المنصرم – وما أهون  عيد مختلف خيبات أمل البنات من عمر "أمان" وحتى الممات! أصرت "أمان" في أول أيام العيد على أن نذهب في زيارة "معايدة" لأحد، أي أحد، المهم أن تكون "معايدة" تتبهرج بها بثياب العيد وحذائه واكسسواراته التي تحرص دوماً على انتقائها بكل عناية، عناية ٍ لا تقل ربما عن عناية أبيها يوم كان يستعد ليلة العيد بتوضيب قميص العيد على السرير وتوضيع بنطاله تحته ليتدلى على حافته حتى يصل الأرض التي يلقي عليها حذاءه الجديد فيصله برجلي البنطال بزوج الجوارب الطازج حتى يبدو الهندام متكاملاً لا ينقصه سوى أن يقفز وسطه! كان صباح عيد الفطر يعني مفاجأةً أزلية بتناول الطعام صباحاً بعد ثلاثين يوماً متواصلة ً من الوجبات "السواريه"، ولكن ليس قبل صلاة ٍ ناعسة ٍ في المسجد القريب من المقبرة التي لم يكن يرتاح كثيراً لزيارتها، لا لشيء ٍ سوى أنه كان يشعر بأن أباه وجده يوليان تلك الزيارة أهمية أكثر مما يجب، ولكنه على ذلك لم ينس حتى الساعة روائح أوراق نبتة "الآس" الندية التي لم يكن بائعوها يتوقفون عن رشها بالماء لتبقى خضرة ً نضرة.. لا تجد في الدنيا بأسرها مثل تلك الرائحة التي تفوح من أي نبتة ٍ أو وردة ٍ أو حتى حفنة تراب ٍ دمشقية ٍ حين تختلط بماء دمشق! حتى الطين في دمشق يفوح عطراً يا سيدي، وإن لم تصدقني فلا ألومك، فهو لعمري سحرٌ لا يصدقه حتى من يعيشونه حتى يفقدوه!
وكانت أولى زيارات العيد تبدأ مباشرة ً بعد ذاك، وهي "المعايدة" الوحيدة التي كنت أمارسها دون ثياب العيد التي لم يكن من المسموح لي ارتداؤها قبل العودة من الصلاة وزيارة القبور، ولكن بيت عم أبي المقابل للمقبرة كان محطتنا الأولى بعدها في كل عيد، ومن فناء البيت العربي ذاك كنت أشتم َّ أول روائح القهوة المرة المختلطة بروائح الماء والزنبق والياسمين في كل عيد، وفيه كنت أقضم أول قطعة حلوى وأصطحب عند مغادرتي أول قطعة شوكولا، لأرافق من صحبني بعيد ذلك آفلين إلى البيت حيث ينتظرنا من تبقى فيه من "الحريم" متذمرات ٍ من تأخرنا على "كسر السفرة" التي تكون قد بردت فتتها أو فولها أوبيضها المسلوق، وضاع القسم الأكبر من الوقت المخصص لها، إذ لا يلبث الضيوف أن يبدؤوا بالقدوم زرافات ٍ ووحدانا... كان أسوأ ما في عيدي طفلاً مقاطعات الضيوف لنا عن موائدنا، خصوصاً غداء اليوم الأول الذي كان –وما زال- لا بد أن يكون "فغدة ورز"، ولمن لا يعرفها فهي ليست سوى طبق ٍ شامي ٍ مكون ٍ من فخذ خروف مسلوق ورز بالشعيرية، فإن أحببت أن تجربها فلا تنس أن تقوم بـ "أش الزفرة" كلما لزم الأمر أثناء طهيها، وأن تزكيها بالملح والبهارات وحب الهال وسوى ذلك مما يجعلها ما هي عليه من تميز وتفرد وخصوصية، ويجعل رائحتها تعبق البيت مختلطة ً برائحة "الفول النابت" المنبعثة من الطنجرة المجاورة، وممتزجة ً معها برائحة القهوة المرة التي لا ينقطع تسخينها ليل نهار... انتق قطعة من اللحم واصحبها بما يناسب من "اللية" التي تكون قد أصبحت أكثر طراوة ً وطلاوة ً من جبنة "كيري"، واسكبها في طبقك وأغرقها بالمرق، ثم اسكب الرز الساخن بجانبها ليسبح جزء ٌ منه في المرق ويظهر جزء ٌ للعراء، ثم انثر البهارات بتأن ٍ واعصر بضع قطرات ٍ من ليمونة ٍ صفراء حامضة، واتكل على الله!
كل هذا ولم يمض بعد النصف الأول من النهار الأول مما تفتقده "أمان" ولا تعرفه ربما ولا يعرفه "يمان" ولا كنان".
أثارني حديث "ماهر" لوهلة ٍ في ذلك المتجر المكتظ حين كان يذكرني بإحدى حلقات المسلسل "بقعة ضوء" والتي كانت تدور حول ظاهرة "صرير الصراصير" في آذان كل من تلقى سؤالاً من مثل "ما هو شعورك كمواطن؟"، وما أثارني في ذلك أن "مواطناً" ماراً بقربنا كاد أن يسمعه وهو يقول ما يقول فخشيت أن يظن بأنه يقصده، إذ أنني حتى أنا لم أع ِ للوهلة الأولى بأن الحديث يعنيني فقد أنستني غربتي هنا أنني أنا أيضاً "مواطن"! ولمن لا يعرف عن ماذا أتكلم أوضح بأن لقب "المواطن" محصور هنا بحملة الجواز الإماراتي، وكل من لم يكن "مواطناً" فهو "وافد"، أتساوى في ذلك أنا العربي المسلم الذي أنشأتني حقائق اللغة والدين والعرق والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والتربية والتعليم وسواها على أن أرخـِص لهذه الأرض دمي وروحي، أتساوى في لقب "الوافد" هذا مع الغربي الذي لا يهمه منها سوى ما يجنيه صباحاً لينفقه عشية ً على ليل ٍ ماجن ٍ وجلسة خمر، ومع الروسية التي لا تكترث نهاراً سوى لما يأتيها عشية ً من - نقطة من أول السطر!... المهم، غاية القول أن "الاندماج الاجتماعي" الذي كنت أحلم به حين "وفدت" إلى هذا "الوطن" لم يعد يبد ُ لي سوى كأضغاث أحلام ٍ لا وجود لها سوى في مخيلات أصحاب المبادئ المتعفنة من أمثالي، فالاندماج يكون بين طرفين يرغب كل ٌ منهما به، ولا يمكن بحال ٍ من الأحوال أن يكون اندماج ٌ من طرف واحد.
اعذريني إذاً يا ابنتي، فلا "مجتمع" لنا هنا يستوعب زيارات "معايدة"، ولا تكفي عائلتان أو ثلاثة من أصدقائنا "الوافدين" ليشعروك أنت وأخوانك بأي عيد، ولم أكن لأجبركم على دفع هذا الثمن لولا أنني أعلم يقيناً بأننا لو بقينا هناك لكنا ننظر لمن هم هنا على أنهم ممن أنعم الله عليهم وحسن أولئك رفيقا، كما هو حالنا حين كنا هناك وكما هو حال من ما زال اليوم ينظر لمن هنا، هناك!
كادت شمس اليوم الأول أن تنزوي دون أن أجد لفرج ٍ من سبيل، فما كان مني إذ ذاك سوى أن دعوتهم للخروج... هلموا إنا ذاهبون – ليس المهم إلى أين ولكنـّا ذاهبون! وشاء القدر أن يختار لنا وجهة ً لم تكن في الحسبان حين اكتشف "يمان" في آخر مراحل زينته بأن الحذاء الذي انتقاه في الليلة السابقة لم يكن سوى فردتين "مثيلتين"، فكان لزاماً علينا أن نقصد ذات "المول" لنبدل الفردتين "المثليتين" بحذاء قابل للاستخدام، إذ لا يمكن لأي "عاقل" أن يقنع أياً ممن حوله بأن "المثلية" أمر ٌ طبيعي ولا أن يقبل وجود زوج "مثلي" من الأحذية سوى بالاستهزاء بمن يقبله وازدراء من يرتديه!
كان يوم عيدنا الأول إذاً في "المول"، يتساوى في ذلك مع كل أيامنا الأخر.
ولله در صديقي "المواطن" "حسين الجسمي" حين يغني لولده: غربتنا بابا وطن... بس وطن بالإيجار!!!
"عساكم من عواده"
|