وصفة همبرغر طباعة أرسل لصديق
10 / 05 / 2008

شهران مرا دون أن ينتصب لي قلم.

هي حالة ٌ من الكآبة الفكرية ربما تلك التي أصابت قلمي بعنة ٍ مزمنة، ولا ملام في هذا وقد أصبح الفكر من حولنا أشبه بمكبات النفايات أو محطات تحلية مياه الصرف الصحي، غير أن تلك المحطات لتؤثر تحويل ما يدخلها إلى عسل مصفى على أن تحاول -مجرد محاولة- تحلية ما آل إليه حال الفكر اليوم، وحال المفكرين.

أشعر بقرف ٍ شديد، واشمئزاز ٍ مقيت، ولا أكاد أخرج من طوابيس الهم هذه حتى أعود إليها شئت أم أبيت، ولا يكاد قلمي يفرك رأسه محاولاً الانتفاض على تقاعسه حتى يعود إلى يأسه فيقلع عن نبش أفكاره ويعود إلى ما آل إليه حاله في نبش أنفه ولعق أصبعه "تماشياً مع متطلبات المرحلة"، وما أعادني اليوم إلى هنا سوى وصول المسلسل إلى حلقته الأخيرة أو يكاد، ولم تكن المسلسلات من قبل تثيرني أو تستثير قلمي غير أن لهذا المسلسل وقعاً غير اعتيادي، فلم يكن تأثيره منحصراً في قطرات دمع ٍ بين نسوة ٍ قانتات وإنما طالت فتنته هذه المرة رؤوس المتعلمين والمثقفين والنخبويين، ما جعل مصيبتنا معه وبه طامة ً كبرى!

النخبويون اليوم منساقون متحركون كألعاب الأطفال التي تتحرك بالتحكم عن بعد على غير هدى، أغلقوا على عقولهم المحشوة بالمعارف البيبان وحصنوها بالمتاريس، وأغلقوا أعينهم وآذانهم وحتى رادارات الشم في أنوفهم، ولولا حاجتهم للتنفس من خلالها لأغلقوها هي الأخرى عن بكرة أبيها وجدها وأولاد عمومتها، وأنا هنا لا أقصد أحداً بعينه وإنما أعنينا جميعاً دون أن أستثني حتى نفسي أو أستثني حتى أنفي، برغم ما في رأسي، وبرغم أنفي.

هناك بين الرافدين، أبت العزة إلا الذود عن الكرامة بالدم وإرخاص الروح دفاعاً عن الأرض والعرض والنفس، ولكن مقاومة الغربيين رواد الحضارة والتقدم والديمقراطية كفر ٌ بواح، ومخالفتهم الرأي هرطقة ٌ وزندقة ٌ وتخلف ٌ ورجعية ٌ وإرهاب! هكذا هم من رسموا أنفسهم في خيالاتنا السقيمة قديسين في طنوب الإنسانية والحرية وجقوق الإنسان، لا يقبلون مخالفة ً لما فطروا عليه عنجهيتهم الفارغة. كان لا بد والحال كذلك من وأد تلك المقاومة في مهدها وما كان لذلك من سبيل خير ٍ من تشويهها وتفريغها من قدسيتها وتالياً من شرعيتها، فكان لهم ذلك! أخبرني بالله عليك كم تعرف من المثقفين المتنورين النخبويين اليوم بيننا يتكلم عن شيء اسمه "المقاومة العراقية"؟! لعلك لا تجد سوى من يتكلم باشمئزاز عن الإرهاب والذبح والتصفيات العرقية والطائفية وجرائم الأزقة والأسواق والمقامات، وكأن صدام حسين لم يكن سوى آمر سجن ٍ كبير لم تكد تنهار جدرانه حتى انفلت منه عتاة مجرمي الأرض وأشرارهم -أهل العراق جميعهم! سيطرت هذه الصورة المقيتة على أبصارنا وبصائرنا فلم نعد نرى سواها، ولم نعد نأتي على ذكر أية "مقاومة" في العراق ولم نعد نؤمن أصلاً بوجودها، بل لا يكاد الحديث في هذا الشأن يشعرنا سوى بالخجل من أنفسنا والتنصل من انتماءاتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا -أي مستقبل هذا ثكلتني أمي!!!

وحين نجحت الوصفة في العراق أرسلت إلى المطبخ الفلسطيني الذي استعصى دخوله على خبراء الهمبرغر لعقود متصلة، فما كان منهم سوى أن ألبسوا الطربوش لبعض طباخينا لينوبوا عنهم فيما عجزوا عنه دهرا، وكذلك نحن على الدوام نستخف بصغار الأمور التي نتبع فيها سوانا شبراً بشبر وذراعاً بذراع فلا نعي إلى جحر أي ضب ٍ ستوصلنا، فما السوء في أن ندخل الهمبرغر في وصفاتنا وموائدنا وما الضير في أن يتقنه طباخونا ويعدونه بلمسة ٍ محلية؟! وقعت فتنة الهمبرغر بين صفوف المقاومين في فلسطين الأبية كما وقعت منذ قرون فتنة الجمل التي لم نزل نحمل أوزارها حتى الساعة، فتحولت الكتائب في نظرنا إلى عصابات والمقاومون إلى صعاليك، وجردت المقاومة هنا أيضاً من قدسيتها وفرغت من شرعيتها وصرنا نخوض في أهلها كما نخوض في القتلة والمجرمين.

وكانت الحلقة الأخيرة في لبنان.

الشوكة التي أدمت حلوق الجبناء آن الأوان لقلعها. جربوا الجراحة فلم تفلح، وجربوا الخنق فلم ينجح، وجربوا الحرق فكان برداً وسلاماً على أتباع إبراهيم، فلم يبق سوى وصفة الهمبرغر ذاتها.

يتجاذب الناس اليوم أفكاراً ذات اليمين وأفكاراً ذات الشمال، وهذا يجذب الأمر هنا وذاك يسحبه هناك، والنتيجة في النهاية واحدة: الجميع -وجميعهم نخبويون- يتكلم اليوم عن الشغب والتراشق والضحايا والفوضى، ويربط كل ذلك بسلاح القاومة فيجرد المقاومة من قدسيتها وشرعيتها ليختم بذلك آخر حلقات المسلسل بفض آخر حلقة في سلسلة العزة والكرامة والإباء! لم يعد أحد يذكر للمقاومة في لبنان أو فلسطين أو العراق ما قدمته من دماء وأرواح وما تكبدته من عناء لننعم بما نحن فيه من ترف ٍ يهيء لنا الراحة الكافية لإطلاق الأحكام عليهم ذات اليمين وذات الشمال، ألا فتباً لنا ولترفنا ولقهوتنا والشيشة التي نتمشقها لنطلق مع سمومها سموم الفكر التي نقذف بها من لم يزل يتمشق سلاحه دفاعاً عنا منذ أن كنا نطافاً من مني ٍ يمنى!!!

يستطيع اليوم أي عاقل أو تافه أن يتساءل بكل ثقة: "وماذا قدم لنا حسن نصر الله سوى القتل والدمار؟" ليجد من يتجاوب معه ويناقشه سلباً أو إيجاباً، غير أني لا أجد سوى ثورات ٍ عارمة ً وهجوماً كاسحاً وإرهاباً فكرياً قاتلاً من كل من حولي إن أنا قلت: "طز في فيروز، وماذا قدمت لنا؟"!!!

لا أشك في أن جل من يقرؤني الآن قد فغر فاه شاهقاً ناصباً حاجبيه مشمئزاً من هرطقتي وزندقتي، فقد أتيت بكفر ٍ بواح. ولست أخشى في هذا والله لومة لائم، ولست أبالي بمن يحفظ صحبتي بعد هذا ومن يقطعني، فلم أعد أبالي بالضحايا ولم تعد عودة الروح لروحهم تعنيني، وماذا يمكنني أن أفعل لمن آثر أن يغلق عيونه وآذانه وكل حواسه ويسلـِّم ناصيته لمن يقودها أنى يشاء؟! وماذا يمكنني أن أفعل لمن يصدق صندوقاً بشاشة ٍ ويكذب قلبه؟! وبم يمكنني أن أعين من يقدِّس فيروز وأم كلثوم، ويسفِّه هنية ونصر الله؟!

ألم أحدثكم بداية ً عن القرف والاشمئزاز؟!

 

 

تعليقات
إضافةبحثRSS
زينب IP:77.94.32.xxx | 2008-05-10 18:25:18
سلاماااااااااات فايز:

فعلاً الأمور وصلت لحدودهاالقصوى, و الجهل و الغباء أطبقوا على عقول مدعي العلم و الحلم.
يللي عم يصير بلبنان اليوم هو استكمال لحرب تموز 2006, و يللي مش مصدق, التاريخ رح يثبت له.
البارحة حاولت اتصل بك المسا, ما حدا رد.
رغم كل شي عم يصير, كل عام و انت بخير, و عقبال المية.
زينب.
Joe Ghanem IP:212.107.116.xxx | 2008-05-11 17:52:51
عاشت الهرطقة و الزندقة يا صديقي

اذا كان قول الحق صار هرطقة ..

تفوووووو عالحضارة و عا كلّ الحضاريين.

ـ القرف اللي عم نشعر فيه غير مسبوق أبدا .أنا صرلي فترة قرفان حتى من حالي.
ماء السماء IP:213.42.2.xxx | 2008-05-12 14:31:38
ياريت في حدن يسمعنى ياصاحبي

امنيح اللي بعدو المك أأدر يكتب انا المي انكسر بتموز 2006 واللي بائيلي منوا كان فتلفيت رصاص وهبتن للجنوب ورحلت

وانا اليوم مرى ما بهمني لا عرة ولا عزة ولا غزة ولا بزة

بهمني نصر الله وعصايتوا لما يهزة
laila IP:88.86.5.xxx | 2008-06-03 02:25:32


فايز


مو بيقولوا بالشامي

الهنا مشترك؟؟

بقى مشيها اليوم

القرف مشترك.


بس سبحان الله

لولا "الفيمتو أمل" الذي يحاصر السواد الذي يعترينا لكانت الحياة لا تطاق.


و قيل سابقا

لا تكرهوا الفتن فهي حصاد المنافقين
كتابة تعليق
الاسم:
المدونة/الموقع:
تنسيق:
[b][i][u][url][quote][code][img] 
 
الرجاء كتابة الرمز المبين في الصورة ثم ضغط الزر (إرسال)
Security Image

Powered by JoomlaCommentCopyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.Homepage: http://cavo.co.nr/

 
التالي >
 
زادي

(كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)
قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟
قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)!

(محمد بن عبد الله)

 
أرجائي
زواري
من هذه الأصقاع أتوني
تاريخي
أوقاتي
عناكبي
الغجرية
نافذة على الحقيقة
أنس أونلاين
المتجمد الشمالي
مضارب بني جهلان
مساحة للتنفس
كلمات خاصة
السوشي الوردي
أميري.إنفو
تأملات تافهة
رؤى - مدونة حلا طه
مصطلحـ@ شا100
يلي خلئ علئ و يلي...
صار للدبانه دكانه...
متل الخنفسة بالطا...
سئيل
كمشتو
متابعتي
المدونة الشامية
مكمورتي

XING