كذب الندابون وإن صدقوا طباعة أرسل لصديق
29 / 06 / 2008

المقال التالي ليس لي، بل هو للكاتب الفلسطيني خيري منصور. صحيح أنني لست في العادة من الناقلين، ولكن هذا المقال بالذات أخرجني عن القاعدة لأنه ببساطة يعبر عني حتى النخاع، ويطلق ما يختلج بصدري منذ سنوات.

المقال منقول من صحيفة الخليج التي نشر فيها بتاريخ 14/6/2008، وبلا مزيد من التقديم... إليكموه.

كذب الندابون وإن صدقوا


من ابن خلدون إلى دوركهايم، ومن بواكير المعرفة حتى خاتمتها إن كانت لها خاتمة، ثمة ما يشبه الإجماع على أن الفترات الأكثر تخلفاً وظلامية في التاريخ، تنتهي إلى تحلل معياري وانقلاب أعمى في منظومات المفاهيم المنطقية والقيم، فيصبح الشاذ والاستثنائي هو القاعدة، وعلى الصواب أن يعتذر للخطأ والخطيئة معاً، لأنه حلّق خارج السرب، وتمرد على فلسفة الحرباء التي تغير جلدها من فرط الخوف وعلى فقه الببغاء التي لا تجد لديها ما تقوله غير ترديد الصدى.


لم نبلغ كعرب أرذل العمر بعد، رغم أن الشيخوخة المبكرة عصفت بالكثير مما هو أخضر ويافع ومعافى قبل الأوان، سواء بسبب الإحباط المزمن، أو بث ثقافة عوراء لا ترى من الواقع إلا بعداً واحداً من أبعاده البانورامية.


لقد تولى متعهدو التيئيس والواقعية الزواحفية التبشير بأنه ما من خيار آخر للعربي إلا أن يتأقلم ويجري بنفسه جراحة فظة وبالغة القسوة وبلا تخدير لاستئصال كل نتوء أو صفة تتشكل فيها ملامحه، وهويته، فالعولمة في العمق هي نمذْجة وتنميط وهي قطعَنة أيضاً الهدف منها استبدال الممانعة بالامتثال، والعصيان بالرضوخ.


وبإمكان أي ثرثار يستمد ثقافته من الشائعة والتراشق بالهجاء أن يقدم تقريراً مفصلاً عن المريض العربي، يتجاوز به تلك الدراما الشهية التي تحولت إلى فيلم سينمائي عن المريض الإنجليزي، بإمكانه أن يركز عدسة آلة التصوير على ثكنات الاحتلال، والكلومبرادور بشقيه الثقافي والسياسي وألا يرى من مدن تعج بالحياة غير المقابر الجماعية، ومن مهود الأطفال الذين يولدون بالملايين غير التوابيت الصغيرة.


بإمكانه أن يحتكم إلى إحصاءات وأرقام صماء عن عدد الجياع والمشردين والسجناء والمرضى الذين يهلكون ولا يجدون العلاج. وسيكون هذا المصور الحصيف محقاً، لأنه عكس الواقع كما رآه، لكن ماذا عن الوجه الآخر؟


عن المقاومة مقابل الاحتلال، والثقافة العزلاء من كل شيء غير سلاح العقل، والأطفال الذين يبلغون سن الفطام رغم وفرة أسباب الموت؟ فالإنسان قد يكون أعرج أو أعور أو مشلول الساقين، لكن هذه ليست صفته الوحيدة لأنه لا يفكر أو يبدع بقدميه، ولا يقرأ العلوم بساقيه.


وسيكون من السخرية أن يوصف بتهوفن بأنه أطرش فقط، أو طه حسين والمعري بأنهما من العميان أو روزفلت بأنه رجل كسيح! وهناك من فقدوا أيديهم لكنهم رسموا بأصابع القدمين، كما أن هناك من فقدوا البصر ليروا ما هو أبعد بالبصائر مادام العقل هو ما يحتكم إليه أخيراً.


والعربي الآن ليس أعمى أو مشلولاً أو مصاباً بالصمم، كل ما في الأمر أنه مخدر وغارق في غيبوبة ساهمت فيها عوامل تعجز الجبال عن تحملها، منها الخارجي المتمثل في الغزو والسطو والحصار، ومنها المحلي المتجسد في حالات من قصور الوعي والارتهان، لكن هذا كله ليس إلا بعداً واحداً لمشهد متعدد الأبعاد، وليس من واجب النخب المثقفة أو الناشطين في مختلف المجالات أن يتحولوا إلى كاميرات تلتقط المشاهد الطافية على السطح، فوراء كل مأتم حياة راعفة وخلف كل تابوت مهد، والبراعم أكثر بأضعاف من العناقيد التي قضمها الدود.


فكم هي الممكنات الهاجعة والمهجورة والمسكوت عنها في حياتنا العربية التي تستحق أن نلتفت إليها في هذا الزحام الجنائزي؟


تعليقات
إضافةبحثRSS
فؤاد IP:93.128.87.xxx | 2008-07-02 00:00:28
مضى زمن طويل جدا لم أقرأ فيه مقالا صحفيا اللهم الا ما تدونه انت أو بعض مايرد على الجزيرة.نت ولا أخفيك ايها الحبيب اني وجدت صعوبة في قراءة بعض مصطلحاته.
اشكرك وانتظر زيارتكم قريبا جدا
عمروخضراء IP:90.148.107.xxx | 2008-07-09 02:06:11
مرحى للحزين المثقل أسلوبه بتعابير الهموم المتفائل بحقيقة لم تستطع حتى ان تؤثر في مفرداته البائسة
Joe Ghanem IP:212.107.116.xxx | 2008-07-10 20:58:50
فايز العزيز :
أرجو أن تنشر هذا التعليق و لا تنشر السابق .لأني كتبته بسرعه و فيه أخطاء كيبوردية .هذا منقّح :
ـ إذا كانت هذه لغة بائسة فمرحى ..مرحى ..

هذا الرجل ( الكاتب ) يكتب حقيقة هنا ..يصوّر نصفي الكأس ..هذا الرجل ليس أعمى ..لطالما قلنا و كتبنا و صرخنا ..بأن ما يحاول أن يصوّره أو يجرّنا إليه بعض المثقفين العرب الجدد ( مثقفي السفارات ) هو انتحار جماعي عن سابق إصرار و حمق ..
أنا من أكثر الناس يأساً من واقع هذه الأمة ..لكني و في ذات اللحظة ..من أكثر الناس تفاؤلاً بمستقبل هذه الأمة .. يائس من هذه الهزيمة التي أقامت في قلوب معظم العرب و التي استلذوها و استطعموها و رضوا بها و أصبحت وجهة نظر تستحق الوقوف عندها بل الإحترام ..برأيهم هم فقط ..لأنهم منهزمون و لأنهم حابّون للهزيمة ..لا تستطيع أن تطلب من شخص مهزوم أمام نفسه أن يجلب لك نصرا أو حتى أن يكتب لك كلاما متفائلا ..حتى لو وضعت أمامه كل حقائق الدنيا التي تؤكد أن النصر محتمل و شبه أكيد .
وإذا كان حزب الله وبعض القوى الوطنية القليلة العدد و العدة والمقاومة الفلسطينية و المقاومة العراقية ..و بعض الأحرار العرب هنا و هناك ..إذا كانوا يمثّلون خمسة في المائة من مجموع هذه الأمة المنكسرة ..فهذا يعني أننا أمة المعجزات ..بالفعل و ليس مبالغة و خطابات .. إن عدونا منكسر و مهزوم و يائس أكثر منا بألف مرة ..لكننا نعمي عيوننا عن الحقائق حتى لو اعترف لنا عدونا بهزيمته ..نعمي عيوننا لأن اليائس ليس مطلوب منه أن يفعل شيئا ..و لأنك إن طلبت من رجل أن يأتي لك بكوب ماء فقال لك أنا مشلول لا أستطيع القيام ..فإنه يقدم لك عذرا عن عجزه ..و إن لم يكن مشلولاً بالفعل و ادعى ذلك..فإنه يقدم لنفسه عذرا عن خيبته و عجزه قبل أن يقدم لك أنت ..يرتضي لنفسه أن يدّعي الشلل كي لا يتحرك من مكانه ..و هؤلاء من يدعوننا إلى رؤية نصف الكأس الفارغ ..هؤلاء ارتضوا ادعاء الشلل و العجز لأنهم لا يريدون أن يقفوا على أقدامهم ..
ـ حزب الله هزم اسرائيل ..هذه ليست كذبة و لا معجزة ..هذه حقيقة ..و المقاومة الفلسطينية رغم الجوع و الحصار و الموت المستمر منذ ستين عاما ..أهلكت إسرائيل ..و هذه ليس كذبة هي الأخرى .. أمريكا غارقة في العراق حتى أذنيها ..و لم تعد تعرف حتى كيف تخرج ..و هذه حقيقة لا ريب فيها ..و إسرائيل و أمريكا معا لو استطاعتا محو إيران عن الوجود لفعلتا الان و ليس غدا ..لكنهما عاجزتان تماما ..و لا تجرؤان على ضرب إيران صاروخا واحدا ..و هذه حقيقة ..و هناك خمسة و تسعون بالمئة من شعب هذه الأمة ..إما يائس بائس مهزوم داخل نفسه قبل أن يهزم أمام عدوه ..و إما يعيش في غيبوبة لا ترضاها لنفسها الأمم المحترمة .. هذه حقيقة واضحة أيضا .. لكن المعجزة ..أن خمسة بالمئة من أهل هذه الأمة ..يستطيعون أن يجعلوا هذه الأمة تقف على قدميها دائما و لا ترتضي لنفسها حجّة الشلل .
لقد قلنا كثيرا ..أننا وصلنا لوقت أصبح فيه عندنا كل شيء وجهة نظر حتى الخيانة العظمى .. حتى العهر ..حتى الدعارة أصبحت وجهة نظر مقبولة و يجب التعاطي معها ..لكننا سنؤمن دائما و من خلال معطيات و حقائق ..أن هذا لن يدوم و لن نقبل به ..لأنه لا زال في هذه الأمة من يحترم نفسه ..من يدرك أن له قيمة وسط هذه الأمم ..و سيأتي زمان قريب تعود فيه الخيانة و الإستسلام إلى خانة ( جرائم الشرف ) بحق الأمة و بحق البشرية و بحق الله . لأنه لازال في هذه الأمة من يجد سبيلاً للحياة ..حتى عن طريق الموت بشجاعة ليحيا أهله من بعده . .
ـ أهنئ الكاتب ..و أهنئك على هذا النقل .
كتابة تعليق
الاسم:
المدونة/الموقع:
تنسيق:
[b][i][u][url][quote][code][img] 
 
الرجاء كتابة الرمز المبين في الصورة ثم ضغط الزر (إرسال)
Security Image

Powered by JoomlaCommentCopyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.Homepage: http://cavo.co.nr/

 
التالي >
 
زادي

(كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)
قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟
قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)!

(محمد بن عبد الله)

 
أرجائي
زواري
من هذه الأصقاع أتوني
تاريخي
أوقاتي
عناكبي
الغجرية
نافذة على الحقيقة
أنس أونلاين
المتجمد الشمالي
مضارب بني جهلان
مساحة للتنفس
كلمات خاصة
السوشي الوردي
أميري.إنفو
تأملات تافهة
رؤى - مدونة حلا طه
مصطلحـ@ شا100
يلي خلئ علئ و يلي...
صار للدبانه دكانه...
متل الخنفسة بالطا...
سئيل
كمشتو
متابعتي
المدونة الشامية
مكمورتي

XING