|
المقال التالي ليس لي، بل هو للكاتب الفلسطيني خيري منصور. صحيح أنني لست في العادة من الناقلين، ولكن هذا المقال بالذات أخرجني عن القاعدة لأنه ببساطة يعبر عني حتى النخاع، ويطلق ما يختلج بصدري منذ سنوات.
المقال منقول من صحيفة الخليج التي نشر فيها بتاريخ 14/6/2008، وبلا مزيد من التقديم... إليكموه.
كذب الندابون وإن صدقوا
من ابن خلدون إلى دوركهايم، ومن بواكير المعرفة حتى خاتمتها إن كانت لها خاتمة، ثمة ما يشبه الإجماع على أن الفترات الأكثر تخلفاً وظلامية في التاريخ، تنتهي إلى تحلل معياري وانقلاب أعمى في منظومات المفاهيم المنطقية والقيم، فيصبح الشاذ والاستثنائي هو القاعدة، وعلى الصواب أن يعتذر للخطأ والخطيئة معاً، لأنه حلّق خارج السرب، وتمرد على فلسفة الحرباء التي تغير جلدها من فرط الخوف وعلى فقه الببغاء التي لا تجد لديها ما تقوله غير ترديد الصدى.
لم نبلغ كعرب أرذل العمر بعد، رغم أن الشيخوخة المبكرة عصفت بالكثير مما هو أخضر ويافع ومعافى قبل الأوان، سواء بسبب الإحباط المزمن، أو بث ثقافة عوراء لا ترى من الواقع إلا بعداً واحداً من أبعاده البانورامية.
لقد تولى متعهدو التيئيس والواقعية الزواحفية التبشير بأنه ما من خيار آخر للعربي إلا أن يتأقلم ويجري بنفسه جراحة فظة وبالغة القسوة وبلا تخدير لاستئصال كل نتوء أو صفة تتشكل فيها ملامحه، وهويته، فالعولمة في العمق هي نمذْجة وتنميط وهي قطعَنة أيضاً الهدف منها استبدال الممانعة بالامتثال، والعصيان بالرضوخ.
وبإمكان أي ثرثار يستمد ثقافته من الشائعة والتراشق بالهجاء أن يقدم تقريراً مفصلاً عن المريض العربي، يتجاوز به تلك الدراما الشهية التي تحولت إلى فيلم سينمائي عن المريض الإنجليزي، بإمكانه أن يركز عدسة آلة التصوير على ثكنات الاحتلال، والكلومبرادور بشقيه الثقافي والسياسي وألا يرى من مدن تعج بالحياة غير المقابر الجماعية، ومن مهود الأطفال الذين يولدون بالملايين غير التوابيت الصغيرة.
بإمكانه أن يحتكم إلى إحصاءات وأرقام صماء عن عدد الجياع والمشردين والسجناء والمرضى الذين يهلكون ولا يجدون العلاج. وسيكون هذا المصور الحصيف محقاً، لأنه عكس الواقع كما رآه، لكن ماذا عن الوجه الآخر؟
عن المقاومة مقابل الاحتلال، والثقافة العزلاء من كل شيء غير سلاح العقل، والأطفال الذين يبلغون سن الفطام رغم وفرة أسباب الموت؟ فالإنسان قد يكون أعرج أو أعور أو مشلول الساقين، لكن هذه ليست صفته الوحيدة لأنه لا يفكر أو يبدع بقدميه، ولا يقرأ العلوم بساقيه.
وسيكون من السخرية أن يوصف بتهوفن بأنه أطرش فقط، أو طه حسين والمعري بأنهما من العميان أو روزفلت بأنه رجل كسيح! وهناك من فقدوا أيديهم لكنهم رسموا بأصابع القدمين، كما أن هناك من فقدوا البصر ليروا ما هو أبعد بالبصائر مادام العقل هو ما يحتكم إليه أخيراً.
والعربي الآن ليس أعمى أو مشلولاً أو مصاباً بالصمم، كل ما في الأمر أنه مخدر وغارق في غيبوبة ساهمت فيها عوامل تعجز الجبال عن تحملها، منها الخارجي المتمثل في الغزو والسطو والحصار، ومنها المحلي المتجسد في حالات من قصور الوعي والارتهان، لكن هذا كله ليس إلا بعداً واحداً لمشهد متعدد الأبعاد، وليس من واجب النخب المثقفة أو الناشطين في مختلف المجالات أن يتحولوا إلى كاميرات تلتقط المشاهد الطافية على السطح، فوراء كل مأتم حياة راعفة وخلف كل تابوت مهد، والبراعم أكثر بأضعاف من العناقيد التي قضمها الدود.
فكم هي الممكنات الهاجعة والمهجورة والمسكوت عنها في حياتنا العربية التي تستحق أن نلتفت إليها في هذا الزحام الجنائزي؟
|